فيديو

أصوات العدالة.. النزوح في غزة هروب من الموت إلى القتل البطيء

النزوح في قطاع غزة لم يعد مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل رحلة قاسية بحثاً عن النجاة وسط أهوال الإبادة والحرب. مئات الآلاف أُجبروا على ترك منازلهم قسراً تحت وطأة أوامر الإخلاء العسكرية، وبين هدير الطائرات والقذائف وأزيز الرصاص، تاركين وراءهم ذكرياتهم وممتلكاتهم وكل ما يشكل معنى الاستقرار.

ولم يكن النزوح في غزة محطة مؤقتة للهروب من الخطر نحو الأمان، بل تحوّل إلى معاناة ممتدة تتكرر فصولها مع كل موجة تهجير جديدة. فالعائلات التي نزحت قسراً بحثاً عن ملاذ آمن وجدت نفسها عالقة في دوامة من الانتظار القاسي، بين شحّ مقومات الحياة وتهديد الموت الذي يلاحقها في كل مكان.

في غزة، لم يعد النزوح مجرد فقدانٍ للمكان، بل فقدانٌ للشعور بالأمان والاستقرار، ومعركة يومية يخوضها النازحون للبقاء على قيد الحياة في ظل واقع يزداد قسوة يوماً بعد يوم.

شادية اللوح، نازحة من جحر الديك في قطاع غزة، تقول، أن منطقتها تعرضت لقصف مدفعي عنيف قبل مغادرة المنزل، ومن شدة القصف اتجهت مع عائلتها الى منطقة الرمال في قطاع غزة، ثم جاءت أوامر عسكرية من الاحتلال بإخلاء منطقة الرمال، مما اضطرروا إلى التوجه إلى رفح، وهكذا مع كل أمر عسكري كانوا يخلون المنطقة إلى منطقة جديدة، حيث استمروا في النزوح من رفح إلى خانيونس ثم الى دير البلح ثم المغازي.

وتضيف: رحلة النزوح كانت صعبة جداً من حيث التنقل والمواصلات وإرهاق الأطفال. مشيرة إلى أن غالبية النزوح كان مشياً على الأقدام.

من جانبه، يقول النازح مجدي عبد  الجواد، “قبل الحرب كنت ساكن في بيت مساحته 50 متر تقريبا صالة وغرفة ومطبخ وحمام وعندي صالون حلاقة بنيته جنب الدار ومبسوط وعيشة حلوة وعيشة منيحة وحياة رخيصة وأمان”.

ويضيف “النزوح بدأ في منطقتي بتاريخ 24.12.2023، بعد قصف الاحتلال بجانب بيتنا مباشرة، ومنذ ذلك الوقت بدأت المعاناة، حيث انقصف المنزل بعدها، واستشهد عدد من الأقارب والجيران، وبدأنا رحلة النزوح إلى رفح”. ويُبيّن أنه في رفح لم يكن هناك مكان للنوم، مما اضطررت للنوم في المركبة 20 يوما، ثم عاد إلى المغازي بعد انسحاب الاحتلال ولا يزال يقيم على ركام منزله لوحده.

مشهد الخيام المتلاصقة والاكتظاظ في المدارس التي تحولت إلى مراكز للإيواء والمقيمين على أنقاض منازلهم يلتحفون السماء منتظرين الفرج الذي لم يأت بعد سنين، وبين هذه المشاهد آلاف قصص العذاب. التي تبدأ بالجوع والعطش ولا تنتهي بإنعدام الصحة والتعليم وما يخلفه هذا الواقع المزدحم بقسوة الحياة من مشاكل اجتماعية تقتل الأمل بالإنسانية التي تُشاهَد ولا تُحرك ساكنا.

تقول شادية: بعد النزوح واجهنا أموراً كثيرة.. عشنا المجاعة من قلة الطعام والشراب، إضافة إلى إنعدام التعليم والنظافة، والأمراض التي لم نراها من قبل مثل الأمراض الجلدية.

وتضيف: صحيح أن وضعي كان صعب قبل الحرب، وكنت أعيش على معونة الشؤون، لكنها كانت جنة بالنسبة لأهوال الحرب اليوم.

وتتابع: اليوم أعيش في خيمة ملاصقة لخيمة جاري، حيث تنعدم الخصوصية لدي أو لدى جيراني.

ويقول مجدي، إن اضطر لوضع أولاده في منطقة البريج لدى والده، حيث يقيم في منزل وقريب من رياض الأطفال التي يدرس بها أطفاله، فيما زوجته اضطرت لمرافقة والدتها للعلاج في القدس قبل الحرب، وبقيت عالقة في رام الله لا تستطيع العودة.

ويقول الطفل النازح محمد مهران الزر، لوطن للأنباء، إنه لا زل نازح في إحدى المدارس قرب المنطقة المسماة “الخطر الأصفر، التي يمنع الاقتراب منها” ويعيش على التكيّة. مضيفاً أنه عندما يذهب للعب أو لتعبئة المياه يتعرض لإطلاق نار من قبل الاحتلال، وقد تعرض شخص قريب منهم للإصابة جراء ذلك.

لم تنته الحرب وما زالت مشاهد الموت تفتك بخيام النازحين، فيما تنعدم القدرة على توفير أبسط  متطلبات الحياة، فتفتك الغُصة نفوس العاجزين عن زرع الأمل في نفوس الأطفال والشيوخ والنساء، ويبقى حقهم في الحماية والرعاية رهنا بصحوة الضمير الانسانية وقدرة النازحين على البقاء قيد الحياة .

وتوجه شادية رسالة للعالم تقول فيها: رسالتي للعالم كله، لكل الدنيا، أقول كلمة واحدة فقط، انظروا لشعب غزة بعين الرحمة.

ويقول مجدي، “الخطر في كل مكان في قطاع غزة، فش مكان آمن كله خطير، وين بدك تروح اليوم فش بعد مكانك مطرح ما تربيت، وعشت مثل السمكة بتطلعش من المي، وأنا من هذه المطقة بقدرش أطلع منها.. أنا قاعد في ملكي في ركامي”.

ويحمي القانون الدولي الإنساني النازحين داخلياً بصفتهم مدنيين، ويضمن لهم الحق في الحياة والسلامة الجسدية، والحماية من الهجمات، والتهجير القسري. كما يكفل لهم الحق في الحصول على المأوى، الغذاء، المياه، الرعاية الطبية، ولمّ شمل العائلات، مع ضمان حقهم في العودة الآمنة إلى ديارهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى