تصاعد التوتر على الساحل الغربي لليمن

تشهد خارطة النفوذ العسكري على الساحل الغربي لليمن تحولات متسارعة مع اتساع رقعة تحركات جماعة أنصار الله (الحوثيين) من مدينة المخا وصولاً إلى مشارف مضيق باب المندب. وتثير هذه التطورات الميدانية جملة من التساؤلات حول مستقبل أمن البحر الأحمر وحركة التجارة العالمية التي تمر عبر هذا الممر الإستراتيجي.
تعتبر مدينة المخا نقطة ارتكاز حيوية لا تقتصر قيمتها على المكاسب الميدانية المباشرة، بل تتعداها إلى موقعها الجغرافي الحساس الذي يطل على أحد أهم الممرات المائية في العالم. ويرى مراقبون أن أي تقدم في هذه الجغرافيا يعيد رسم خطوط التماس العسكرية ويضع الجماعة في وضعية تمكنها من التأثير المباشر على الملاحة.
في المقابل، حذرت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً من تداعيات هذا التصعيد، حيث أكد الرئيس رشاد العليمي أن الخطر الراهن يتجاوز الحدود المحلية لليمن. وأشار العليمي إلى أن محاولات استخدام الملاحة الدولية كورقة ضغط سياسي وعسكري تعقد مساعي السلام وتستدعي استعادة الدولة لسيطرتها الكاملة على السواحل.
من جانبها، تتبنى جماعة الحوثي رواية مغايرة تؤكد فيها أن تحركاتها في الساحل الغربي تأتي في سياق فرض السيادة الوطنية وحماية الأراضي اليمنية. وتربط الجماعة بين استمرار عملياتها العسكرية وبين ضرورة رفع الحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية، معتبرة ذلك حقاً مشروعاً.
وعلى الصعيد الإقليمي، تنظر المملكة العربية السعودية بحذر شديد إلى أي تمدد عسكري بالقرب من مضيق باب المندب، وتعتبره تهديداً مباشراً لأمنها القومي واستقرار المنطقة. وتدخل الحسابات الإقليمية بقوة في هذا المشهد، خاصة مع الدور الإيراني المحوري في دعم وإسناد توجهات جماعة أنصار الله.
المخاوف لم تتوقف عند حدود الجوار، بل امتدت لتشمل الدوائر الأمنية الإسرائيلية التي تراقب عن كثب تموضع الحوثيين على الساحل الغربي. وتخشى تل أبيب من أن السيطرة على المخا تعني امتلاك الجماعة قدرة أكبر على تهديد السفن المتجهة إلى موانئها، مما يجعل المنطقة نقطة ضغط إستراتيجية دولية.
وفي قراءة للمشهد، أوضح بكيل الزنداني، الأستاذ المشارك في الشؤون الدولية أن القوات الحوثية تسعى لفرض واقع جيوسياسي جديد يثبت امتلاكها تأثيراً يتجاوز الداخل اليمني. وأشار في تصريحات إعلامية إلى أن الهدف هو إثبات الحضور الإقليمي عبر الإطلال المباشر على الممرات المائية الحيوية.
وتربط التحليلات السياسية بين التحركات الميدانية والإستراتيجية الإيرانية في المنطقة، حيث يرى البعض أن طهران تسعى لتعزيز نفوذ حلفائها في باب المندب. ويهدف هذا التوجه إلى امتلاك القدرة على المناورة وإغلاق الممر المائي في لحظات التأزم السياسي لتشتيت القوى الدولية المناهضة لها.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجماعة ركزت في فترات سابقة على استهداف البنية التحتية في ميناء المخا باستخدام الصواريخ الباليستية. وتعكس هذه الهجمات، التي بلغت نحو 14 صاروخاً، إصراراً على تحييد القوى المنافسة والسيطرة على هذه الجغرافيا الحساسة لتعزيز أوراق التفاوض المستقبلي.
ورغم التصعيد الميداني، خرج المتحدث باسم الحوثيين، محمد عبد السلام، بتصريحات تؤكد أن الملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر لا تزال آمنة ومنتظمة. وشدد عبد السلام على أن اليمن لا يمثل تهديداً للسفن التجارية، وأن العمليات الجارية هي دفاعية بحتة ومرتبطة بظروف الصراع القائم.
وتشترط الجماعة لوقف أنشطتها العسكرية البحرية إنهاء ما تصفه بالعدوان على اليمن ورفع القيود الاقتصادية المفروضة عليه بشكل كامل. وتضع هذه الشروط المجتمع الدولي أمام معضلة الموازنة بين تأمين الممرات المائية وبين الضغط للوصول إلى تسوية سياسية شاملة للأزمة اليمنية.
في غضون ذلك، تبرز مواقف دولية مثل موقف باكستان التي تسعى لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة نحو صراع أوسع نطاقاً. وتدرك القوى الدولية أن أي اضطراب في باب المندب سيؤدي إلى قفزات في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن العالمي، مما يضاعف الضغوط على الاقتصاد الدولي.
يبقى السؤال قائماً حول ما إذا كانت المخا ستتحول إلى منصة انطلاق لتغيير قواعد الاشتباك في البحر الأحمر بشكل دائم. إن تحول الصراع من مواجهات برية داخلية إلى أزمة ملاحة إقليمية يضع المنطقة برمتها على فوهة بركان، بانتظار ما ستسفر عنه التحركات العسكرية والدبلوماسية في الأيام المقبلة.



