“عمّال الضفة”.. طريق محفوف بالموت بحثًا عن لقمة العيش

في مشهد يومي قاسٍ، يخوض آلاف العمال الفلسطينيين رحلة محفوفة بالمخاطر، تزامنًا مع الأزمات المعيشية الخانقة، بعد أن أُغلقت أمامهم أبواب العمل وفُقدت مصادر رزقهم.
بين الجدار والحواجز وسماسرة التصاريح، يجد العمّال الفلسطينيون أنفسهم أمام خيار واحد: المجازفة بحياتهم في سبيل البقاء، في واقع يزداد قسوة مع غياب البدائل وتفاقم الأعباء الاقتصادية.
ومنذ أكثر من عامين ونصف، يعيش آلاف العمال معاناة مستمرة، بعد حرمانهم من العمل في الداخل المحتل، ما أدى لانقطاع مصدر رزقهم الأساسي، وتركهم دون دخل ثابت يعيل أسرهم ويؤمن احتياجاتهم اليومية.
ويجازف العمّال الفلسطينيون بحياتهم، سعيًا للوصول لأماكن عملهم في الداخل المحتل، بعد أن فقدوا الأمل في فرصة عمل توفر لهم حياة كريمة في مكان آخر.
حيث يضطر عمّال الضفة لاجتياز جدار الفصل العنصري، في ظروف بالغة الخطورة، وسط احتمال الموت أو الإصابة أو الاعتقال في أي لحظة، في رحلة محفوفة بالمخاطر فرضتها الحاجة وانعدام البدائل.
يحلّ يوم العمّال العالمي، الذي يصادف الأول من مايو/أيار من كل عام، في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية سيئة يحياها العامل الفلسطيني، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وسط غياب البدائل الحقيقية التي تضمن له حياة كريمة، ما جعل الكثير من العائلات تواجه تحديات كبيرة في توفير أبسط مقومات الحياة.
مشهد مؤلم..
وفي مشهد أثار مشاعر الفلسطينيين واستيائهم من الواقع المرير الذي يعيشه العمّال بالضفة، ظهر عشرات العمّال خلال اعتقالهم من داخل شاحنة نقل النفايات، خلال محاولة تهريبهم إلى الداخل المحتل بحثًا عن فرصة عمل.
ويقول أحد العمال من مدينة نابلس، والذي كان من بين المعتقلين داخل شاحنة النفايات، إن الظروف المعيشية القاسية أجبرته على اللجوء إلى هذه الطريقة الخطيرة للوصول إلى مكان عمله، رغم إدراكه الكامل لاحتمالية الاعتقال أو حتى الاختناق داخل المركبة، كما كاد أن يحدث بالفعل بعد احتجازهم لساعات طويلة.
ويروي العامل، أن قوات الاحتلال تعمّدت احتجاز المركبة لساعات، ما أدى إلى إصابات بحالات اختناق في صفوف العمال داخلها، قبل أن يتم اعتقالهم كما أظهرته مقاطع الفيديو.
ويؤكد العامل، تعرضهم للضرب المبرح والتعذيب قبل الإفراج عن معظمهم بعد ساعات.
ويكمل: “وجدت نفسي وحيدًا طوال هذه السنوات، فبعد تراكم الديون، وملاحقتي قضائيًا بسبب الشيكات الراجعة، أصبحت مضطرًا لسلوك كل الطرق الخطرة حتى لا أتحوّل لمتسول في مجتمعي”.
“سماسرة العبور”..
لا تقتصر معاناة العمّال على ذلك، ففي شهادة أخرى، يتحدث عامل من الخليل، عن رحلة التهريب للداخل المحتل عبر سماسرة يستغلون حاجة العمّال وينقلوهم عبر الجدار الفاصل وطرق خطيرة.
ويخبرنا العامل الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أنه أُجبر مع 6 عمال آخرين على استقلال مركبة لا تتسع سوى لـ 4 ركاب، لمسافة لا تتجاوز 40 دقيقة، مقابل دفع 600 شيكل عن كل شخص، فقط للوصول إلى ورشة العمل.
ويبيّن أن معاناة العمال تفوق الوصف، بدءًا من طريق التهريب التي تتزايد فيها احتمالات القتل أو الإصابة أو السقوط، وصولًا إلى مكان العمل، حيث يواجه العامل ظروفًا قاسية من انعدام أماكن النوم اللائقة وسوء الطعام، إضافة إلى استغلال المشغلين وعدم دفع أجور العمل في كثير من الأحيان.
ويسرد: “على الرغم من كوني خريج جامعي لكن غياب فرص العمل أجبرني على هذا الخيار القاسي”.
ويردف: “لدي أسرة وحاجات أطفالي وتخلي الجميع عنا تدفعنا إلى تحمل كل هذه المخاطر، حتى لو كان الثمن حياتي”.
ويضيف بحرقة: “الموت أهون من أن يطلب طفلي حاجياته ولا أستطيع توفيرها”.
كارثة إنسانية..
من جهته، يرى عضو الدائرة الإعلامية في الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، سعيد عمران، أن ما يمر به العمال الفلسطينيون يشكّل كارثة إنسانية حقيقية، فرضتها الظروف الاقتصادية الصعبة وانعدام مصادر الدخل، في ظل ارتفاع نسبة البطالة إلى نحو 40% من القوى العاملة، بما يعادل قرابة 550 ألف عاطل عن العمل.
ويوضح عمران، أن الأزمة تجاوزت حدود البطالة لتصل إلى تفاقم الديون، وصدور ما يقارب مليون أمر حبس بحق ما بين 600 إلى 700 ألف مديون ومديونة في الضفة الغربية، وهو ما طال فئات واسعة من العمال والموظفين والتجار، نتيجة تراجع الرواتب، وتوقف فرص العمل، وشح الموارد المالية.
ويضطر الكثير من العمال للمخاطرة بحياتهم بحثًا عن لقمة العيش، رغم ما يتعرضون له من ملاحقة واعتقال وغرامات مالية، إضافة إلى استغلال السماسرة الذين يفرضون مبالغ كبيرة مقابل تسهيل وصولهم إلى أماكن العمل، وفقًا لعمران.
ويشير، أن هذه المعاناة أسفرت عن ارتقاء 50 شهيدًا من العمال فيما يُعرف بـ”شهداء لقمة العيش”، إلى جانب تسجيل نحو 38 ألف حالة اعتقال.
ويحمّل الاحتلال المسؤولية الكاملة عن هذا الواقع، ويقول: “الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة اعتمدت لعقود على تشغيل ما نسبته 25% من الأيدي العاملة الفلسطينية، ما جعل آلاف الأسر مرتبطة بشكل مباشر بهذا المصدر من الرزق”.
وفي الوقت ذاته، يلفت “عمران” لتراجع الصناعة المحلية والاعتماد المتزايد على الاستيراد، وهو ما أدى إلى إغلاق العديد من المصانع الفلسطينية التي كانت مصدر رزق لآلاف العائلات، الأمر الذي ساهم في اتساع دائرة الفقر وزيادة اعتماد العمال على العمل بالداخل المحتل.
وفي سبيل التخفيف من وطأة الواقع الصعب الذي يحياه العمال بالضفة، يوجه عمران دعوته لدعم الإنتاج الوطني من خلال تشجيع أصحاب رؤوس الأموال والتجار على الاستثمار في الصناعة المحلية، عبر تخفيض الضرائب على المنتجات الفلسطينية، ورفعها على السلع المستوردة، إضافة إلى ضبط الأسواق وضمان حصول العمال على حقوقهم وأجورهم كاملة.
ويطالب عمران، باتخاذ خطوات عاجلة للتخفيف عن العمال، من خلال “إعفائهم من رسوم التأمين الصحي، وإلغاء أوامر الحبس التي تدفعهم إلى المخاطرة يوميًا من أجل العمل وسداد التزاماتهم، قبل أن يجدوا أنفسهم معتقلين لدى الاحتلال بحجة العمل دون تصاريح”.
رحلة قد تنتهي باعتقال أو “كفن”..
بدوره، يقول المستشار القانوني لنقابة العمال العرب في الناصرة، وهبة بدارنة، إن الطبقة العاملة الفلسطينية تعيش أوضاعًا مأساوية في ظل القهر وانعدام الحقوق، مع ضياع ملايين الأموال والمنح المخصصة لدعم العمال داخل أروقة مؤسسات يفترض أنها معنية بشؤونهم.
ويوضح بدارنة، أنه التقى بعشرات العمال الذين فقدوا أعمالهم داخل المدن الإسرائيلية، وآخرين يعيشون فقرًا مدقعًا في القرى والمخيمات، مشيرًا إلى أن طوابير العمال باتت مشهدًا يوميًا على حواجز برطعة وحاجز 300 قرب قبر راحيل في بيت لحم وترقوميا، وعلى جدار الفصل في بلدة الرام.
ويبيّن أن شهادات موثقة خلال العامين الماضيين تكشف حجم الإذلال، سواء بسبب الاحتلال أو نتيجة ما وصفه بالحياة المهينة في الضفة الغربية، وسط غياب واضح لدور بعض المؤسسات التي تجمع أموالًا لا تصل لمستحقيها.
ويلفت إلى أن العامل تحوّل إلى باحث عن فرصة بأي ثمن، حتى لو عرّض نفسه للموت أو الاعتقال، فيما يعود بعضهم إلى عائلاتهم في أكفان.
وفيما يتعلق بتصاريح العمل، أشار إلى أن آلاف العمال يدفعون مبالغ باهظة لسماسرة مقابل “تصاريح دخول” غير قانونية، ما يجعلهم عرضة للاعتقال، لافتًا إلى أن بعضها مزور وقد يقود إلى السجون أو الموت.
عبودية وإذلال..
أما العمال الذين يعملون داخل المستوطنات، فيقول بدارنة إنهم يعيشون ظروفًا قاسية أقرب إلى العبودية، بأجور زهيدة ودون حقوق، وتحت رقابة مشددة، وقد يفقدون حياتهم دون أي تعويض. وأضاف أن العمال داخل أراضي عام 1948 يواجهون أيضًا رقابة وإذلالًا، من خلال البصمة الإلكترونية والأساور وتقييد الحركة.
ويؤكد أنه لا توجد مؤشرات على عودة العمال في ظل الحكومة الإسرائيلية الحالية، مشيرًا إلى أن نحو 80 ألف عامل يعملون داخل الداخل المحتل دون تصاريح، رغم الملاحقات.
ويشدد على أن الحديث عن عودتهم لا يتعدى كونه وعودًا غير حقيقية، إذ يبقى القرار بيد الكابينيت الإسرائيلي.
وفي المقابل، يلفت إلى أن “إسرائيل” تستوعب عشرات آلاف العمال الأجانب، خاصة في قطاع الخدمات، بينهم نحو 40 ألف عامل من الهند وتايلاند، بينما يعاني قطاع البناء من شبه انهيار بسبب غياب العمال الفلسطينيين.
وبلغ عدد المتعطلين عن العمل، وفق معطيات نشرها الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، نحو 550 ألفا، مع ارتفاع غير مسبوق في نسب البطالة؛ وصلت إلى 85% في قطاع غزة، و38% في الضفة الغربية.
وأوردت المعطيات، أنه منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، حرم أكثر من 250 ألف عامل من الوصول إلى أماكن عملهم في الداخل الفلسطيني المحتل 1948، واستمر ذلك لأكثر من 30 شهرا دون أي مصدر دخل.
ولفت النظر إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على الحرمان من العمل، بل امتدت إلى القتل والاعتقال والتنكيل، حيث استشهد نحو 50 عاملا، واعتقل ما يزيد عن 38 ألفا، منذ 7 أكتوبر 2023.
سند للأنباء



