العامة

مشروع “الخيط القرمزي”: مخطط استيطاني جديد يمزق أغوار الضفة ويعزل آلاف الدونمات

كشفت مصادر ميدانية وتقارير حقوقية عن تصاعد وتيرة العمل في مشروع استيطاني ضخم أطلق عليه الاحتلال اسم “الخيط القرمزي”، والذي يهدف إلى إقامة حاجز أمني وعسكري يطوق خربة يرزا ومناطق واسعة في غور الأردن بالضفة الغربية المحتلة. ويمتد هذا المشروع في مرحلته الحالية من منطقة عين شبلي جنوباً وصولاً إلى حاجز تياسير شمالاً، مخترقاً مساحات زراعية شاسعة تعود ملكيتها لمواطنين من طمون وطوباس وعاطوف.

ويأتي تنفيذ هذا المخطط بعد سلسلة من الأوامر العسكرية التي قضت بوضع اليد على نحو 1042 دونماً من أراضي المواطنين الفلسطينيين تحت ذريعة الأغراض العسكرية والأمنية. ويشكل هذا المسار حلقة وصل استراتيجية بين “مزرعة موشيه” وبؤرة “تسفي عوفريم” الاستيطانية، مما يعزز الحزام الاستيطاني في المنطقة الشرقية للضفة الغربية ويحكم الإغلاق على التجمعات السكانية الفلسطينية.

وتشير المعطيات الفنية للمشروع إلى أنه يمتد بطول 22 كيلومتراً وبعرض يصل إلى 50 متراً، ويقع على مسافة 12 كيلومتراً تقريباً من الحدود الأردنية. ولا يقتصر الحاجز على سياج أمني فحسب، بل يضم منظومة متكاملة من الخنادق والسواتر الترابية والأسلاك الشائكة، بالإضافة إلى تزويده بأحدث تقنيات المراقبة والرادارات والكاميرات الحرارية لضمان السيطرة الكاملة.

وتؤكد مصادر مطلعة أن هذا المقطع ليس سوى جزء من خطة استراتيجية أوسع تهدف لإقامة حاجز أمني طويل يمتد بمحاذاة الحدود الشرقية للضفة الغربية، وقد يصل طوله الإجمالي في مراحل متقدمة إلى نحو 500 كيلومتر. هذا التوسع الممنهج يعكس رغبة الاحتلال في تحويل المناطق الحدودية إلى مناطق عسكرية مغلقة يصعب على الفلسطينيين الوصول إليها أو استغلال مواردها.

تكمن الأهمية الاستراتيجية للموقع في كونه يمر عبر سهل البقيعة، الذي يعد واحداً من أهم السلال الغذائية والمناطق الزراعية المفتوحة في شمال الضفة الغربية. ويرتبط هذا السهل بشبكة حيوية من القرى والبلدات مثل عاطوف وطمون، ويشكل الملاذ الأساسي لرعاة الأغنام ومربي المواشي الذين يعتمدون على هذه المساحات المفتوحة لتأمين احتياجاتهم المعيشية.

ويهدد المشروع الجديد بفرض واقع جغرافي مغاير تماماً، حيث يسعى الاحتلال لزيادة ترابط البؤر الاستيطانية والطرق العسكرية ببعضها البعض، مقابل تمزيق وحدة الأراضي الفلسطينية وتفتيتها. هذا الفصل الجغرافي سيؤدي حتماً إلى صعوبة وصول المزارعين إلى أراضيهم، مما يهدد بانهيار القطاع الزراعي في واحدة من أكثر مناطق الضفة خصوبة.

علاوة على ذلك، تضع السيطرة الإسرائيلية على هذه المنطقة اليد على الحوض المائي الشرقي، وهو ثاني أكبر الأحواض المائية في الضفة الغربية، مما يمنح الاحتلال نفوذاً مطلقاً على الموارد المائية. وسينعكس هذا الحرمان المائي سلباً على آلاف الدونمات المزروعة بالأشجار والمحاصيل الموسمية، مما يدفع المزارعين نحو الهجرة القسرية نتيجة جفاف مصادر رزقهم.

جدار "الخيط القرمزي" تسبب في كسر أنابيب الري وإلحاق الضرر بالآبار الحيوية للسكان الفلسطينيين المحليين (ثائر بشارات)

جدار “الخيط القرمزي” تسبب في كسر أنابيب الري وإلحاق الضرر بالآبار الحيوية للسكان الفلسطينيين المحليين (ثائر بشارات)

قرية راس الأحمر في الضفة الغربية المحتلة تأثرت بشدة بجدار "الخيط القرمزي" الإسرائيلي ()

قرية راس الأحمر في الضفة الغربية المحتلة تأثرت بشدة بجدار “الخيط القرمزي” الإسرائيلي ()

وتعود جذور الإعلان عن هذا المشروع إلى أغسطس من عام 2024، حينما ربطت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية حاجتها لهذا الحاجز بعملية مسلحة وقعت قرب مستوطنة “محولا”. ومنذ ذلك الحين، بدأ الترويج للمشروع كإجراء أمني ضروري لحماية المستوطنين، قبل أن يتم الكشف عن تفاصيله الكاملة في أواخر عام 2025 عبر تقارير إعلامية أكدت تحوله إلى جدار فاصل.

ومع مطلع عام 2026، انتقلت سلطات الاحتلال من مرحلة التخطيط الورقي إلى التنفيذ الميداني الفعلي، حيث بدأت الجرافات بأعمال تجريف واسعة واقتلاع لمئات الأشجار المثمرة. كما شملت الأعمال التدميرية تخريب خطوط المياه الرئيسية وشق طرق عسكرية جديدة، مما أدى إلى عزل مساحات واسعة من الأراضي خلف الحاجز الجديد وتدمير البنية التحتية الزراعية.

وبحسب الوثائق العسكرية التي وقعها قائد المنطقة الوسطى، اللواء آفي بالوت، فإن الأهداف المعلنة تتمحور حول منع عمليات تهريب الأسلحة وعرقلة تحركات المقاومين من الأغوار باتجاه عمق الضفة. إلا أن الواقع الميداني يشير إلى أن الهدف الحقيقي هو تعزيز المشروع الاستيطاني وتنظيم حركة المستوطنين على حساب الوجود الفلسطيني الأصيل في تلك المناطق.

وتحذر مؤسسات حقوقية من خطورة المشروع الذي يمر وسط مساحات زراعية مفتوحة، حيث يقطع التواصل الجغرافي بين التجمعات الفلسطينية ومصادر مياهها ومراعيها الطبيعية. وتتركز هذه المخاوف بشكل خاص في المنطقة الممتدة بين بلدة طمون وشمال وادي الأردن، وهي من آخر المساحات المفتوحة المصنفة ضمن المنطقة “ج” وفق اتفاقات أوسلو.

وتشير التقديرات إلى أن الحاجز سيهدد نحو 50 ألف دونم من الأراضي الخضراء والجبال التي كانت تشكل متنفساً وحيداً للمزارعين والرعاة الفلسطينيين. إن تحويل هذه المساحات إلى مناطق عسكرية أو عزلها خلف الجدار يعني حرمان آلاف العائلات من مصدر دخلها الوحيد، وتحويل المنطقة إلى بيئة طاردة للسكان الفلسطينيين لصالح التوسع الاستيطاني.

ولا تتوقف الأضرار عند مصادرة الأرض، بل تشمل إزالة كافة المنشآت التي تقع في مسار الحاجز، بما في ذلك المنازل البسيطة، والبيوت الزراعية، وحظائر الأغنام، وخزانات المياه. وتصنف سلطات الاحتلال هذه المنشآت الحيوية للسكان كـ “نقاط ضعف عملياتية”، مما يمنح جيش الاحتلال الذريعة القانونية لهدمها وإزالتها بشكل كامل قبل استكمال بناء الجدار.

في نهاية المطاف، يمثل مشروع “الخيط القرمزي” أداة جديدة لتكريس نظام الفصل العنصري وعزل السكان الفلسطينيين في معازل صغيرة ومحاصرة. إن فرض السيطرة الفعلية على هذه المنطقة الاستراتيجية سيؤدي إلى تغيير ديموغرافي وجغرافي بعيد المدى، يهدف في جوهره إلى تصفية الوجود الفلسطيني في الأغوار وتحويلها إلى منطقة استيطانية خالصة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى