من حولنا

“هسبارا”.. موازنة إسرائيلية بـ 730 مليون دولار لنشر سرديتها عالميا

تخصص “إسرائيل” موازنة قدرها 730 مليون دولار هذا العام للحرب على جبهة السردية، سعيا لنشر السردية الإسرائيلية وتبييض صفحة سمعتها السوداء عالميا، والتي تضررت بعل حروبها العدوانية في المنطقة، خاصة الحرب على قطاع غزة، وسط تشكيك الخبراء بإمكانية تحقيق هذا الهدف.

وحسب تقرير لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، تراهن “إسرائيل” بهذه الموازنة على قدرتها على الخروج من أزمة سمعة من خلال قوة الكلمة والدبلوماسية.

فقد أقر الكنيست في مارس/ آذار الماضي، موازنة لعام 2026 تتضمن نحو 730 مليون دولار مخصصة للدبلوماسية العامة، والمعروفة بالعبرية باسم “هسبارا”.

وأشار التقرير إلى أن هذا المبلغ يمثل نحو خمسة أضعاف الموازنة التي خصصت لهذا الغرض في العام الماضي والتي بلغت 150 مليون دولار، وكان ذلك المبلغ بحد ذاته يعادل نحو 20 ضعف ما أنفقته “إسرائيل” على هذه الجهود قبل 3 أعوام.

ويأتي هذا الإنفاق غير المسبوق على الدعاية في ظل تراجع الدعم لـ”إسرائيل” في الولايات المتحدة، والذي ظهر جليا في ظل استطلاعات رأي متتالية.

فقد أظهر استطلاع رأي أجراه مركز بيو للأبحاث نُشر مطلع أبريل/ نيسان أن 60% من الأمريكيين يحملون نظرة سلبية تجاه “إسرائيل”، بزيادة سبع نقاط خلال عام واحد، بينما لا تتجاوز نسبة المؤيدين لها 37%.

ولم يقتصر تراجع الدعم على الرأي العام الأمريكي، بل وصل إلى الكونغرس الأمريكي، فقد صوّت 40 من أصل 47 عضواً ديمقراطياً في مجلس الشيوخ ضد صفقة بيع جرافات “كاتربيلر” لـ”إسرائيل” بقيمة 295 مليون دولار.

كما صوّت 36 منهم ضد صفقة بيع قنابل زنة 1000 رطل، وهو ما يمثل أقوى رفض من الكونغرس للمساعدات العسكرية الأمريكية لـ”إسرائيل” على الإطلاق.

ونقلت الصحيفة عن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، قوله إن بلاده تخوض حرباً عالمية لكسب القلوب والعقول، “وعليها أن تنفق وفقاً لذلك”.

وإلى جانب هذه الميزانية، حصل ساعر على موافقة لإنشاء وحدة دبلوماسية عامة مخصصة داخل وزارته، يرأسها مدير يعادل في رتبته أعلى مسؤول سياسي في الوزارة، بهدف إنهاء سنوات من العمل الدعائي المتفرق عبر الوزارات المتنافسة.

وتشير تقارير إعلامية أن “إسرائيل” وزعت ميزانية إعلانية دولية على وسائل التواصل الاجتماعي بقيمة 50 مليون دولار، على منصات “جوجل”، و”يوتيوب”، و”إكس”، و”أوتبرين”.

كما خُصص نحو 40 مليون دولار لاستضافة 400 وفد أجنبي ضمّ مشرّعين، وقساوسة، وشخصيات مؤثرة، ورؤساء جامعات.

كما تم إنشاء “غرفة عمليات إعلامية” لمراقبة 250 وسيلة إعلامية و10,000 مادة إخبارية يومياً متعلقة بـ”إسرائيل”.

وكشفت تقارير حديثة أن الخارجية الإسرائيلية وقعت عقدًا بقيمة 1.5 مليون دولار شهريًا مع شركة “براد بارسكيل”، المستشار الاستراتيجي السابق لحملة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لنشر أدوات الذكاء الاصطناعي لمكافحة “معاداة السامية” عبر الإنترنت.

كما خصصت حملة بقيمة 4.1 مليون دولار لاستهداف الكنائس الإنجيلية، و”مشروع إستير”، وهو عبارة عن شبكة مؤثرين مدفوعة الأجر تصل قيمتها إلى 900 ألف دولار، من خلال شركة علاقات عامة تسمى “بريدجز بارتنرز”.

ويشكك خبراء العلاقات العامة في أن هذا الإنفاق غير المسبوق يمكن أن يؤتي ثماره، ويرون أنه لا يمكن لأي قدر من الرسائل أن يتغلب على الرفض الراسخ من قبل الجماهير المستهدفة للعدوان الإسرائيلي على دول الجوار.

وقال نيكولاس كول، أستاذ الاتصالات في جامعة جنوب كاليفورنيا وأحد مؤسسي دراسة الدبلوماسية العامة: “أرى أن التاريخ يُظهر أن كل أموال العالم لن تُجدي نفعاً إذا كانت السياسة خاطئة”.

ولفت إلى أن الولايات المتحدة اكتشفت هذه الحقيقة في حربها على فيتنام عندما بلغت ميزانيتها للدبلوماسية العامة خلال الحرب الباردة ذروتها.

ونقلت الصحيفة عن شبلي تلحمي، أستاذ السياسة بجامعة ميريلاند، قوله: “لقد حدث تحول جذري في أمريكا تجاه إسرائيل. لقد كنت أتابع هذه التحولات، وخاصة بين الديمقراطيين، لمدة خمسة عشر عاماً. لم أرَ قط تحولاً كهذا الذي شهدناه”.

ويقول تلحمي إن ظهور جيل جديد يُدعى “جيل غزة” يمثل أغلبية من الشباب الأمريكيين الذين يرون الآن أن “إسرائيل” ترتكب إبادة جماعية وأن الولايات المتحدة متورطة فيها.

ويشير تلحمي إلى أن تلك اللحظة ذكّرته بحادثة سابقة. فقد عمل في اللجنة الاستشارية الأمريكية للدبلوماسية العامة عام 2005، عندما حاولت واشنطن التخلص من الضرر الذي لحق بسمعتها جراء حربها على العراق من خلال حملات موجهة إلى الجماهير المسلمة.

وقال: “خلصنا إلى أن المشكلة تكمن في السياسات. صحيح أن الدبلوماسية العامة تُتيح الكثير من التأثير، وهناك استراتيجيات قد تُساعد بشكل طفيف، لكنها لن تُؤثر إلا على نسبة ضئيلة”.

ويبين أن الانطباعات العامة حول القضايا التي تهم الناس تتشكل في الغالب من خلال السياسات نفسها، وليس من خلال مدى براعة تسويقها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى