من حولنا
رئيس جهاز الموساد الأسبق:”أخجل من كوني يهوديا” ويحذر من 7 اكتوبر جديد في الضفة

في تصريح هزّ الداخل الإسرائيلي وفتح جرحًا أخلاقيًا عميقًا داخل دولة الاحتلال، خرج تامير باردو، رئيس جهاز الموساد الأسبق، بتصريحات صادمة بعد جولة ميدانية في الضفة الغربية المحتلة، قال فيها إنه يشعر بالخجل من كونه يهوديًا بسبب ما شاهده من اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، وذهب إلى أبعد من ذلك حين شبّه ما رآه من عنف ونهب وترهيب بمشاهد تاريخية مؤلمة تعرّض لها اليهود في أوروبا خلال القرن الماضي.
الكلام هذه المرة لا يأتي من ناشط فلسطيني، ولا من منظمة حقوقية عربية، ولا من خصم سياسي لدولة الاحتلال، بل من رجل كان على رأس أخطر جهاز استخباراتي إسرائيلي، ومن شخصية عاشت في قلب المؤسسة الأمنية، وتعرف جيدًا معنى الكلمات التي تقولها، وخطورة تشبيه ما يحدث في الضفة الغربية بواحدة من أكثر المآسي حساسية في الذاكرة اليهودية.
باردو يصدم إسرائيل: أشعر بالخجل.
بحسب ما نُقل عن باردو، فإنه قال بوضوح بعد جولته في الضفة: “أشعر بالخجل لكوني يهوديًا هنا اليوم”. هذه الجملة وحدها كانت كافية لإشعال عاصفة سياسية وإعلامية، لأنها تضرب مباشرة في الصورة التي يحاول نتنياهو وحكومته تصديرها للعالم، وهي أن ما يحدث في الضفة مجرد إجراءات أمنية أو خلافات ميدانية معزولة.
باردو، من موقعه كرئيس سابق للموساد، يقول العكس تمامًا. يقول إن ما شاهده على الأرض ليس مجرد تجاوزات فردية، بل مشهد أخلاقي مروّع، تتداخل فيه اعتداءات المستوطنين مع غياب المحاسبة، وتصبح فيه حياة الفلسطينيين وممتلكاتهم عرضة للعنف والترهيب بلا حماية حقيقية.
تشبيه بالهولوكوست يهز الرواية الإسرائيلية
الأكثر إثارة أن باردو، وهو ابن لناجية من المحرقة، قال إن ما شاهده ذكّره بأحداث وقعت ضد اليهود في القرن الماضي. هذه المقارنة تحمل وزنًا هائلًا داخل المجتمع الإسرائيلي، لأنها تأتي من شخص يعرف رمزية الهولوكوست في الوعي اليهودي، ولا يستخدمها كعبارة عابرة أو مبالغة إعلامية.
عندما يقول رئيس موساد سابق إن مشاهد الاعتداءات في الضفة ذكّرته بما تعرض له اليهود سابقًا، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد سياسية فقط، بل أخلاقية ووجودية. هو لا يوجه اتهامًا للفلسطينيين، ولا يتحدث عن دعاية خارجية، بل يوجه الاتهام إلى الداخل الإسرائيلي نفسه: إلى المستوطنين، وإلى من يحميهم، وإلى حكومة تسمح بتضخم هذا العنف حتى يتحول إلى خطر على الدولة نفسها.
اتهام مباشر لعنف المستوطنين
باردو تحدث عن اعتداءات جسدية، وتخريب ممتلكات، ونهب، وترهيب ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. هذه ليست لغة دبلوماسية ناعمة، بل توصيف قاسٍ لما يجري على الأرض. واللافت أنه لم يكتفِ بوصف العنف، بل اعتبر أن هذا السلوك يمثل تهديدًا وجوديًا لدولة إسرائيل نفسها.
المعنى هنا شديد الخطورة: باردو لا يرى أن الخطر الأكبر على إسرائيل يأتي فقط من الخارج، بل من الداخل أيضًا؛ من مجموعات استيطانية متطرفة، ومن حكومة توفر لها الغطاء السياسي، ومن أجهزة إنفاذ قانون لا تتحرك بما يكفي لوقف العنف ومحاسبة مرتكبيه.
تحذير من 7 أكتوبر جديد
واحدة من أخطر نقاط تصريحاته أنه حذر من أن ما يجري في الضفة قد يزرع بذور “7 أكتوبر” جديد، وربما أكثر إيلامًا. هذه العبارة تكشف أن الرجل ينظر إلى عنف المستوطنين باعتباره قنبلة موقوتة، لا مجرد ملف حقوقي. فهو يرى أن تراكم الظلم والعنف والنهب والإذلال قد يقود إلى انفجار أكبر، وأن من يتجاهل ما يحدث اليوم قد يدفع ثمنًا أمنيًا باهظًا غدًا.
وهنا تصبح شهادة باردو صفعة مزدوجة لنتنياهو: صفعة أخلاقية لأنه يفضح ما يحدث للفلسطينيين، وصفعة أمنية لأنه يقول إن هذه السياسات لا تحمي إسرائيل، بل تدفعها نحو كارثة جديدة.
انتقاد قاسٍ لحكومة اليمين
باردو وجّه انتقادات واضحة للحكومة الحالية، وللوزراء اليمينيين المتطرفين الذين يوفّرون، حسب منتقديهم، بيئة سياسية تسمح لعنف المستوطنين بالتمدد. الحديث هنا لا يدور عن خلاف حزبي تقليدي، بل عن اتهام بأن السلطة نفسها تفشل في وقف العنف، وربما تغض الطرف عنه أو تستفيد منه سياسيًا.
ولهذا حذر باردو من أن استمرار غياب المحاسبة قد يجر البلاد إلى صدام داخلي خطير، وربما إلى حرب أهلية. هذا التحذير من رئيس موساد سابق يعني أن الأزمة داخل دولة الاحتلال لم تعد فقط حول الفلسطينيين، بل حول هوية الدولة نفسها: هل تبقى دولة قانون كما تزعم؟ أم تتحول إلى دولة يتحكم فيها المستوطنون المتطرفون بقوة السلاح والغطاء السياسي؟
باردو سبق أن وصف النظام بالأبارتهايد.
هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها تامير باردو بتصريحات حادة. فقد سبق أن وصف النظام المفروض على الفلسطينيين في الضفة بأنه نظام فصل عنصري، بسبب وجود نظامين قانونيين مختلفين في الأرض نفسها؛ قانون للمستوطنين الإسرائيليين، وآخر للفلسطينيين. هذا الموقف السابق يجعل تصريحاته الأخيرة جزءًا من رؤية متكاملة، لا مجرد انفعال بعد جولة ميدانية.
باردو يرى أن المشكلة بنيوية، وأن استمرار الاحتلال والاستيطان والعنف دون محاسبة لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يهدد إسرائيل من الداخل، ويقوّض أي ادعاء أخلاقي تحاول تسويقه للعالم.
لماذا تمثل هذه التصريحات ضربة لنتنياهو؟
لأن نتنياهو اعتاد الرد على الانتقادات الدولية باعتبارها تحيزًا ضد إسرائيل أو عدم فهم للواقع الأمني. لكن عندما تأتي الإدانة من رئيس سابق للموساد، يصبح الهروب أصعب. هذا ليس صوتًا من الخارج، بل من قلب المنظومة الأمنية. وليس شخصًا يمكن اتهامه بأنه لا يعرف المخاطر التي تواجه إسرائيل، بل رجل قضى سنوات في إدارة ملفات الأمن والاستخبارات.
لذلك فإن تصريحاته تسحب من نتنياهو واحدة من أهم حججه: أن كل منتقد لإسرائيل لا يفهم أمنها. باردو يفهم الأمن جيدًا، ومع ذلك يقول إن ما يحدث في الضفة عار وخطر وتهديد وجودي.



