
لم تعد حواجز الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية مجرد نقاط تفتيش، بل صارت حاجزًا بين القلوب والأحبة، تعيق وصول آلاف المواطنين إلى عائلاتهم في أيام العيد.
ساعات من الانتظار في الأجواء الباردة والماطرة، إغلاقات مفاجئة وتشديدات أمنية، حوّلت رحلة الزيارة إلى معاناة يومية، ليصبح فرح العيد مرتبطًا بالحزن، والاحتفال مشوبًا بالغربة حتى داخل الوطن.
وتحرِم الحواجز العديد من العائلات من الاجتماع في أيام العيد، حيث يرافق المواطنين الذين يضطرون لعبورها للوصول لأقاربهم خلف البوابات ساعات الانتظار والخشية من الاحتجاز أو الاعتقال.
الزيارات تتحول لمعاناة..
المواطن إبراهيم عارف، من سكان رام الله، يقول إنه يواجه صعوبة كبيرة في الوصول إلى عائلته الممتدة في طمون خلال أيام العيد بسبب الحواجز العسكرية.
ويضيف: ““قبل العيد، نخطط منذ أيام لزيارة أهلي، لكن كل رحلة تتحول إلى معاناة، الحواجز تمنعنا من المرور بسهولة، ساعات طويلة من الانتظار تحت الشمس أو المطر، وكل لحظة انتظار تضيع منا جزءًا من فرحة العيد”.
ويضيف: “أحيانًا تُفتح الحواجز لساعات قصيرة، فينجح البعض بالوصول، لكنها تصبح زيارات مختلسة، نركض خلالها لنرى الأحبة فقط للحظات، ثم نُجبر على العودة. العيد أصبح عندنا مناسبة نختلس فيها الفرح، لا نعيشه كما يجب”.
أما السيدة “أم كفاح” من مدينة نابلس، ومتزوجة في مدينة الخليل، فتعيش تجربة حرمان الزيارات العائلية منذ عامين.
وتقول أم كفاح: “لم أزر أهلي في العيد خلال العامين الماضيين إلا مرات معدودة، الحواجز تمنعنا من اللقاء، وكل عيد يمرّ ونحن محرومون من رؤيتهم. لا فرحة ولا طقوس كما يعيشها الآخرون“.
وتتابع: “الأبناء يتساءلون عن سبب عدم زيارة الجد والجدة، وكأننا غائبون عن حياتهم، ونحن أيضًا نفتقد دفء العائلة والضحكات المشتركة. الحواجز لا تمنعنا فقط من المرور، بل تمنعنا من الحياة الطبيعية والفرحة التي كان يجلبها العيد”.
مئات الحواجز والبوابات العسكرية..
من جهته، يوضح الباحث رائد موقدي أن هناك أكثر من 540 بوابة إسرائيلية موجودة في الضفة الغربية تفصل القرى والتجمعات السكنية عن بعضها البعض.
ويقول موقدي: “الهدف من هذه البوابات أمران: الأول عرقلة حركة المواطنين من منطقة لأخرى، وعرقلة النمو الاقتصادي وعجلة التنمية الزراعية وحتى مرور الحالات الإنسانية، خاصة أن مداخل المدن الرئيسية أصبحت محاطة ببوابات، مثل مدينة سلفيت وقلقيلية والخليل، وبالتالي أصبح الدخول للمدينة ودخول الخدمات الإنسانية محفوفًا بالمخاطر.
أما الهدف الثاني، بحسب موقدي، فهو السيطرة على الأراضي الزراعية، خاصة عندما نرى أن الطرق الزراعية أصبحت لها بوابات، كقرى قصرة ومجدل بني فاضل وكفر الديك وعقربا.
ويكمل: “هذه البوابات استغلها المستوطنون لرسم حدود المناطق، حيث الأراضي التي بعد البوابات أصبحت تحت سيطرتهم بشكل أو بآخر”.
ويبيّن، أن هذه الحواجز والبوابات أثرت بشكل كبير على حركة السكان: “إغلاق معظم حواجز مدينة نابلس في الشمال يسبب معاناة كبيرة بين السكان، ويعطل الزيارات، ويزيد تكلفة التنقل في ظل إغلاق الطرق الرئيسية واضطرار المواطنين لسلوك طرق بديلة”.
بدوره، يوضح مدير مركز أبحاث الأراضي في نابلس محمود الصيفي، أن المواطنين بالضفة الغربية يعانون بشكل يومي جراء الحواجز والبوابات، والاقتحامات اليومية ليلاً ونهارًا، تزامنًا مع إغلاق الحواجز.
ويضيف في حديثه: “في نابلس، تم إغلاق كافة الحواجز والبوابات المحيطة بالمدينة، إضافة إلى الطرق الترابية. الأسبوع الأخير أغلق الاحتلال كل الطرق المحيطة ببلدات سبسطية واللبن الشرقية والمُغير وبيت فوريك وقصرة”.
ويكمل: “منذ بداية شهر رمضان، بدأت إجراءات الاحتلال بشكل سريع ومتصاعد في المدن والمخيمات والبلدات، لترسخ سياسة جديدة تجاه الشعب الفلسطيني، تتمثل بالضغط النفسي، خاصة مع حلول رمضان والعيد، وما رافقهما من معاناة على الحواجز خاصة للنساء والأطفال والكبار. رأينا كيف أمضى الناس وقت الإفطار على الحواجز دون الوصول إلى بيوتهم، في ظل برودة الطقس”.
ويرى الصيفي أن “هذه الإجراءات تصيب الحالة النفسية والإنسانية للمواطنين بشكل مباشر، فالمرأة التي كانت تعد طعام الإفطار لا يصل أحد من عائلتها لأنها محتجزة على الحواجز المغلقة”.
ويشدد، أن الاحتلال يتدخل في تفاصيل حياتنا اليومية بالساعات والدقائق. خلال رمضان شهدنا اقتحامات استمرت لأيام طويلة، مثلما حصل في قرية اللبن الشرقية وبيت فوريك والمُغير وطمون، حيث مكث الاحتلال ليل نهار، واقتحم المنازل واستمر في أعمال التخريب”.
ويؤكد: “هذه سياسة واضحة لإعادة ترتيب أوضاع الضفة الغربية لمصلحة الاحتلال، وتهدف أيضًا لإضعاف السلطة الفلسطينية والفصائل والسلطات المحلية. كما تستهدف خنق الشعب الفلسطيني، والضغط على الأسرة بالكامل، والطلاب، وأصحاب الأعمال، ومنع المزارعين من الوصول لأراضيهم”.
استغلال المناسبات الدينية..
ويشير “الصيفي” إلى أن الحواجز والبوابات هي جزء من مخطط أوسع للتضييق الاقتصادي، ويقول: “الاحتلال يضيق على الموظفين بعدم صرف رواتبهم بشكل كامل، ويستغل المناسبات الدينية للتضييق على المواطنين”.
وأصبح العيد مناسبة إضافية للتحكم بتفاصيل الحياة للمواطنين خاصة في المناسبات الدينية، كما حدث في المسجد الأقصى، حيث منعت الصلاة والاعتكاف خلال شهر رمضان بقرار احتلالي، وتحت ذريعة الأمن، بينما الهدف هو السيطرة والتحكم.
ويشير “الصيفي” لوجود أكثر من 750 مانعًا من مكعبات إسمنتية أو خنادق أو سواتر في مختلف أنحاء الضفة الغربية، إلى جانب ما يتعرض له المواطنون من هجمات يشنها المستوطنون على التجمعات الفلسطينية وتدمير المزروعات.
ويعقّب: “الهدف واضح: التضييق الاقتصادي والسيطرة على السكان، وفرض سياسة تهجير تدريجي على مناطق أ، ب، وج، خاصة في الريف الفلسطيني”.
يشار إلى أن إجمالي الحواجز المؤقتة والدائمة، بما يشمل البوابات والحواجز العسكرية والترابية التي تحد من تنقل الفلسطينيين، وصل حتى أكتوبر الماضي إلى 916 حاجزًا وبوابة، منها 243 بوابة حديدية تم نصبها بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
وكالة سند للأنباء



