العامةشرفة

في ذكرى التأسيس: أين تقف “حماس” بعد حرب غزة؟

في ذكرى انطلاقتها الـ 38 التي تُصادف اليوم الأحد (14 ديسمبر/ كانون أول) تجد حركة “حماس” نفسها، أمام تحديات كبيرة على الأصعدة السياسية والتنظيمية والعسكرية، لا سيما بعد حرب الإبادة التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة لأكثر من عامين.

فالحرب الأخيرة لم تكن مجرد جولة عسكرية عابرة، بل مرحلة مفصلية حاسمة لإعادة تقييم قدرة الحركة على الجمع بين المقاومة وإدارة شؤون القطاع في ظل واقع متغير سياسيًا وأمنيًا بناءً على الرغبة الأمريكية الإسرائيلية.

وتتجاوز التحديات اليوم المجال العسكري؛ لتشمل البنية التنظيمية، والحاضنة الشعبية، والشرعية السياسية، والتموضع الإقليمي، فضلًا عن مستقبل السلاح ودور الحركة ضمن النظام السياسي الفلسطيني.

احتلال نصف مساحة القطاع

منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، اعتمد الاحتلال نهجًا تفاوضيًا–عسكريًا قائمًا على تهجير السكان قسرًا من المدن والمخيمات التي يخطط للتوغل فيها، تحت غطاء العمليات البرية والضربات الجوية المكثفة.

وقد أفضى هذا النهج إلى احتلال مدن وبلدات وقرى كاملة، امتدت من رفح جنوبًا إلى بيت لاهيا شمالًا، ما أسفر فعليًا عن سيطرة الاحتلال على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة ضمن ما تُعرف حاليًا بـ “الخط الأصفر“.

هذا الواقع الجديد، بما يحمله من تدمير واسع للبنى التحتية والخدمات، يمثل تحديًا استراتيجيًا لـ “حماس”، التي قامت تجربتها السياسية منذ عام 2007 على معادلة السيطرة على الأرض بوصفها شرطًا للحكم والمقاومة معًا.

ففقدان السيطرة الجغرافية يقوّض أسس الإدارة، ويعيد تعريف مفهوم السلطة، ويضع الحركة أمام سؤال غير مسبوق: كيف يمكن لحركة حكمت قطاعًا كاملًا أن تستمر سياسيًا وتنظيميًا دون أرض؟

الحاضنة الشعبية..

إلى جانب الخسائر الميدانية، تواجه “حماس” تحديًا بالغ الحساسية يتعلق بصورتها لدى حاضنتها الاجتماعية في غزة.

عاش المجتمع الغزي خلال الحرب ظروفًا قاسية وغير مسبوقة، شملت النزوح الجماعي، والتشريد، وتفشي الفقر، وانهيار البنية الاجتماعية، وارتفاع الكلفة الإنسانية إلى مستويات كارثية.

وفي هذا السياق، يشير المحلل السياسي تيسير محيسن إلى أن تبعات الحرب، خاصة الاحتلال الفعلي لنصف القطاع، وتدهور الأمن والخدمات، واستمرار النزوح، وتعقيدات ملف المعتقلين، أدت إلى تراجع قدرة الحركة على الحفاظ على ما أسماه “مصداقيتها السياسية والاجتماعية”.

ويضيف محيسن، أن “حماس” فقدت جزءًا كبيرًا من البنية الاجتماعية والتنظيمية التي اعتمدت عليها لعقود، خصوصًا في القطاع الذي شكّل قاعدتها الأساسية.

ويحذر من أنّ تحميل الجمهور للحركة مسؤولية الكارثة الإنسانية، ولو جزئيًا، يمثل تحديًا بالغ الصعوبة أمام أي محاولة لاستعادة دورها السابق في غزة.

تراجع “توازن الردع” واغتيال القيادات

على الصعيد العسكري، أدت الحرب البرية إلى تدمير جزء كبير من القدرات العسكرية والبنى اللوجستية للحركة.

ويشير المحلل سفيان أبو زايدة إلى فقدان عدد من القيادات الرمزية المؤثرة، وفي مقدمتهم إسماعيل هنية ويحيى السنوار، ما أدخل الحركة في مرحلة وصفها بـ “ارتباك تنظيمي وبحث متعثر” عن قيادة جديدة، مع تأجيل الانتخابات الداخلية أكثر من مرة.

ويؤكد ماجد كيالي أن فقدان القيادات، إلى جانب تآكل المقدرات العسكرية، يجعل من الصعب على “حماس” الاستمرار في التمسك بخطاب “توازن الردع”.

في المقابل، يرى المحلل والكاتب الفلسطيني إبراهيم المدهون لـ “وكالة سند للأنباء”، أنّ “حماس” تتميّز كونها حركة مؤسساتية، تقوم على بنية تنظيمية وإدارية وسياسية واضحة، وليست حركة أفراد أو قيادات مرتبطة بأشخاص بعينهم.

ورغم إقراره بأنّ ما تعرضت له الحركة من خسائر خلال عامين يُمثل تحديًا جوهريًا كونه أحد الأهداف الاستراتيجية للاحتلال، المتمثلة في تفتيت “حماس” من الداخل وإضعاف تماسكها التنظيمي والسياسي، إلا أنّه يعتقد أنّها لا تزال تمتلك منظومة قيادية متماسكة.

وتشمل هذه المنظومة وفق المدهون، المؤسسة السياسية، والمؤسسة الشورية التي تُدار من خلالها عمليات الانتخاب وتجديد القيادات، إضافة إلى المؤسسة العسكرية والتنظيمية التي أثبتت قدرتها على الاستمرارية والتكيّف.

قضية السلاح وهويتها الكفاحية

يعد السلاح بالنسبة لـ “حماس” جزءًا من هويتها ومبرر شرعيتها الكفاحية، لكن مع صدور قرار مجلس الأمن (2803) الداعم للخطة الأميركية التي تتضمن نزع سلاح المقاومة في غزة، تواجه الحركة معضلة وجودية، وفق محللين.

إذ يشير الكاتب وسام عفيفة في حديثٍ مع مراسلنا إلى أنّ هذا الملف يُستخدم كورقة ضغط لفرض ترتيبات أمنية مقابل الانسحاب وإعادة الإعمار، في ظل تضارب أجندات الوسطاء الإقليميين والدوليين، ما يزيد المشهد تعقيدًا.

ورغم محاولات الحركة طرح صيغ وسطية، مثل تجميد السلاح أو تأمينه مؤقتًا إلى حين قيام دولة فلسطينية، يؤكد المحلل سفيان أبو زايدة أن هذه الطروحات أقرب إلى تكتيكات تفاوضية غير قابلة للتطبيق، لعدم قبولها دوليًا، لا من الولايات المتحدة ولا من “إسرائيل”، فضلًا عن تعارضها مع قرارات دولية تقول الحركة إنها ملتزمة بها.

أمام هذا المشهد تبدو خيارات “حماس” محدودة للغاية؛ فالتخلي الكامل عن السلاح قد يُفهم على أنه إعلان استسلام ينسف دور الحركة وبنيتها، وفق المحلل أكرم عطا الله.

بينما التمسك به كما هو _ والكلام لعطا لله_ قد يقود إلى مواجهة جديدة في ظروف لا تملك فيها القدرة على تحمّل كلفتها.

في المقابل، يشدد الكاتب الصحفي محمد القيق أنه لا مجال للنقاش أصلًا حول سلاح “حماس”، ولا يمكن أن يكون هذا السلاح محل تفاوض، باعتباره حقًا أصيلًا من حقوق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال وتقرير مصيره.

ويشدد على أن أي تقييم لوضع غزة لا يمكن فصله عما يجري في الضفة الغربية من تصعيد استيطاني وعمليات ضم واعتداءات متواصلة تطال كامل الجغرافيا الفلسطينية.

في الاتجاه نفسه يوضح إبراهيم المدهون أنّ مسألة نزع السلاح لا تُعد شأنًا داخليًا أو فصائليًا، بل قضية وطنية جامعة لا يمكن حسمها بقرارات أحادية أو تحت ضغط خارجي، وإنما عبر حوار وطني عميق يفضي إلى موقف فلسطيني موحّد.

الحكم والمقاومة..

إلى جانب معضلة السلاح، تواجه حركة “حماس” مأزق الحكم في بيئة فلسطينية منهكة تبحث عن حلول عاجلة.

إذ يشير وسام عفيفة إلى أن الحركة تتعرض لاستنزاف بشري وأمني متواصل بفعل الاغتيالات والضغط الاستخباري، بالتوازي مع ضغوط سياسية تستهدف إخراجها من موقع الحكم.

ويضيف أن تحمّل أعباء الحكم بات يمثل مأزقًا إضافيًا في ظل شارع فلسطيني مرهق يطالب بتحسّن سريع في الأوضاع المعيشية والخدماتية.

في المقابل، يرى محمد القيق أن التركيز على مسألة الحكم ليس جوهريًا من منظور المقاومة، معتبرًا أن منطقها يقوم على التحرير أولًا ثم الحكم لاحقًا، وأن الولايات المتحدة و”إسرائيل” تسعيان إلى جعل الحكم محور النقاش بهدف فصل المجتمع نفسيًا عن مشروع التحرير.

وتتقاطع هذه الرؤية مع موقف إبراهيم المدهون، الذي يرى أن الحركة تتعامل مع هذا التحدي بواقعية سياسية ومرونة محسوبة، مع تمييز واضح بين ملف الحكم وملف السلاح.

فبحسب المدهون، تؤكد “حماس” أنها غير معنية بالتمسك بالسلطة، وتعتبر أن مسألة الخروج من الحكومة قرار داخلي فلسطيني يهدف إلى إتاحة المجال أمام تشكيل حكومة مقبولة إقليميًا ودوليًا، سواء كانت حكومة وحدة وطنية، أو حكومة تكنوقراط، أو إدارة انتقالية.

ويوضح أن مهمة هذه المرحلة تنحصر في معالجة آثار حرب الإبادة، من خلال إدخال المساعدات، ووقف التدهور الإنساني، وبدء مسار الإغاثة وإعادة الإعمار، وتسهيل حياة المواطنين.

ومن هذا المنطلق، لا تنظر “حماس” إلى الحكم بوصفه أولوية بحد ذاته، بل أداة يمكن التخلي عنها إذا كان ذلك يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تعالج تداعيات العدوان، من دون المساس بجوهر مشروع المقاومة.

على الجانب الآخر، يؤكد المحلل تيسير محيسن أن الحركة أخفقت منذ تأسيسها في الانتقال من مرحلة “رفض الواقع” إلى “إدارة الواقع”، مشيرًا إلى أنها حين دخلت السلطة فشلت في الحكم، وحين تبنّت المقاومة النظامية اصطدمت بميزان قوة مختل، ما أدى، بحسب رأيه، إلى “تآكل شرعيتها السياسية”.

ويرى محيسن أن البيئة الإقليمية لم تعد مواتية لحركة “حماس” كما في السابق، في ظل تراجع محور المقاومة، وانكفاء الدور السوري، وإعادة إيران ترتيب حساباتها، إلى جانب اقتراب قطر من واشنطن وحرص تركيا على تقديم مصالحها الاستراتيجية.

في المقابل، يقدّم القيق قراءة مغايرة، معتقدًا أن المنطقة بأكملها دخلت تحولات جذرية بفعل معركة “طوفان الأقصى”، وأن معايير تقييم موازين القوى التقليدية لم تعد صالحة، حتى بالنسبة لـ”إسرائيل” نفسها، مؤكدًا أن المشهد الإقليمي يشهد تآكلًا غير مسبوق في موقعها.

سيناريوهات حركة حماس المستقبلية

يقف المشروع الوطني الفلسطيني اليوم عند مفترق تاريخي غير مسبوق، حيث تواجه حركة “حماس” تحديات وجودية تتعلق بالهوية والدور والمستقبل ضمن المشروع الوطني، بين الانكفاء، والتحول، والانقسام، أو إعادة التشكل.

ويرسم المحللون أربعة سيناريوهات محتملة خلال السنوات المقبلة:

السيناريو الأول: حركة مقاومة خارج الحكم

يفترض هذا السيناريو تراجع “حماس” عن موقعها في الحكم مع الحفاظ على دورها المركزي في المقاومة.

ويرى تيسير محيسن أن فقدان السيطرة الميدانية قد يدفع الحركة للعودة إلى العمل الشبكي السري كما قبل 2007، في بيئة أكثر تعقيدًا.

بالمقابل، يقترح وسام عفيفة فصل الحكم عن الحضور السياسي عبر تشكيل إدارة مدنية أو تكنوقراطية لإدارة الشأن اليومي، مع إدارة ملف السلاح مرحليًا وبضمانات واضحة.

بينما يعتقد إبراهيم المدهون أنّ حماس منفتحة على الانسحاب من الحكم لتسهيل الحلول الإنسانية والسياسية وإتاحة المجال لتشكيل حكومة مقبولة إقليميًا ودوليًا، دون التخلي عن مشروع المقاومة، إذ ترى الحكم أداة وليست أولوية، بينما يظل سلاح المقاومة حقًا سياديًا للشعب الفلسطيني.

السيناريو الثاني: التحول إلى حزب سياسي

يفترض هذا السيناريو اندماج “حماس” تدريجيًا في النظام السياسي الفلسطيني كفاعل سياسي مدني، مع التخلي عن السلاح والسلطة الميدانية.

وفي هذا السياق يرى سفيان أبو زايدة أن المرحلة المقبلة يجب أن تكون سياسية بامتياز، فيما يؤكد أكرم عطا الله أن استمرار الحركة بصيغتها الحالية غير مقبول، وأن الضغوط الدولية والداخلية ستجعل هذا التحول شبه حتمي.

أما إبراهيم المدهون فيقول إنّ أي تحوّل سياسي ممكن، لكن ضمن رؤية فلسطينية موحدة تحافظ على ثوابت المقاومة، بحيث يبقى سلاحها جزءًا من مشروع وطني شامل، مع الحفاظ على الحقوق الوطنية الأساسية.

السيناريو الثالث: الانقسام الداخلي

يشير محيسن إلى أن الضغوط المتزايدة قد تؤدي إلى انقسامات داخلية بين الفصائل والتيارات المختلفة داخل الحركة.

بينما يشير إبراهيم المدهون إلى أنّ هذا الاحتمال ضعيف جدًا، بسبب البنية التنظيمية المؤسسية لحماس، وخبرتها التاريخية في مواجهة الاستهداف والاغتيالات، وقاعدتها الشعبية الواسعة، ما يتيح لها إعادة ترتيب مقارباتها والحفاظ على وحدة الموقف الوطني.

السيناريو الرابع: تفكك النسخة القديمة وولادة “حماس جديدة”

على المدى البعيد، قد يشهد مسار الحركة تحولًا جذريًا مع ظهور تيار جديد يركز على البقاء والصمود الاجتماعي، وفق محيسن، مما يؤدي إلى تفكيك الهياكل القديمة لتكوين نسخة جديدة متكيفة مع التحولات الإقليمية والدولية.

لكن محمد القيق فيرى أن ولادة أي حركة جديدة لن تكون على شكل حركة تلتزم بمبادئ حركة “حماس”، وإنما قد تمثل انشقاقًا بمبادئ مختلفة، وهو سيناريو مستبعد طالما بقيت المبادئ الأساسية، وعلى رأسها مقاومة الاحتلال أينما وجد.

أما المدهون فيرى أنّ هذا السيناريو يمكن أن يتحقق بشكل منظم واستراتيجي إذا تم الفصل بين المقاومة وإدارة الحكم، مع الحفاظ على وحدة الموقف الوطني، بحيث يستمر المشروع المقاوم مع التكيف الواقعي مع الظروف الجديدة دون المساس بالثوابت الوطنية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى