شرفة

الأسرى الفلسطينيون والإبعاد القسري: قراءة قانونية وإنسانية في ضوء صفقة أكتوبر 2025

كتب إسلام التميمي: منذ بدايات المشروع الاستعماري في فلسطين، شكّل النفي والإبعاد القسري إحدى أدوات السيطرة المركزية التي استخدمتها القوى الاستعمارية ضد النخب الوطنية والرموز المجتمعية الفلسطينية. ففي الحالة الفلسطينية، لم يكن الإبعاد قرارًا إداريًا أو استثناءً أمنيًا، بل سياسة استعمارية متجذّرة تهدف إلى إفراغ الأرض من رموزها، وتفكيك المجتمع الفلسطيني من داخله، وتحويل الجغرافيا إلى أداة لإلغاء الذاكرة والانتماء.

لقد بدأ هذا النهج منذ عهد الانتداب البريطاني (1917–1948)، حين استخدمت سلطات الاحتلال البريطاني الإبعاد والنفي ضد الثوار الفلسطينيين وقادة الحركة الوطنية خلال ثورة عام 1936، في محاولة لإخماد روح المقاومة وتجريدها من قادتها الميدانيين. ومع النكبة عام 1948، اتخذ الإبعاد شكله الأشد قسوة واتساعًا، حين تحوّل إلى عملية تهجير جماعي قسري طالت أكثر من سبعمئة وخمسين ألف فلسطيني، جرى طردهم من ديارهم إلى المنافي والمخيمات في البلدان المجاورة. كانت تلك المأساة تجسيدًا فعليًا لأكبر عملية اقتلاع جماعي في القرن العشرين، هدفت إلى نفي الفلسطيني عن أرضه وذاكرته في آن واحد، وتحويله من صاحب أرض إلى لاجئ. وتكرّر المشهد بعد احتلال عام 1967، حين أُبعد عدد من قادة الحركة الوطنية والنشطاء والطلبة، في محاولة منظمة لتجريد المجتمع الفلسطيني من رموزه وإفراغ الفضاء العام من صوته السياسي والإنساني.

في الفكر الصهيوني، لم يكن النفي مجرّد وسيلة عقابية، بل مكوّنًا أيديولوجيًا من بنية المشروع نفسه. فمنذ المقولة التأسيسية «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، تأسست الرواية الصهيونية على نفي الوجود الفلسطيني من الأصل، أي على ما يمكن تسميته بـ سياسة “نفي النفي”. فالصهيونية لم تكتفِ بنفي الفلسطيني من المكان، بل سعت إلى نفي ذاكرته وتاريخه وروايته، بحيث يُمحى وجوده المادي والرمزي معًا. إن “نفي النفي” في هذا السياق يعني نفي وجود الفلسطيني أولًا، ثم نفي حقه في أن يُذكَر أو يُروى، أي نفي الإنسان الفلسطيني ثم نفي الذاكرة التي تحفظه. وبهذا يصبح الإبعاد القسري في الوعي الإسرائيلي ليس فقط طردًا للأجساد، بل إلغاءً للهوية والذاكرة الوطنية الفلسطينية، ومحاولة لإنتاج جغرافيا بلا ذاكرة وتاريخ بلا أصحاب.

لقد بلغت سياسة الإبعاد ذروتها خلال العقود الماضية. ففي عام 1980، أُبعد عدد من رؤساء البلديات المنتخبين في الضفة الغربية بعد رفضهم الانصياع للهيمنة الإسرائيلية، ومن أبرزهم فهد القواسمي (الخليل)، محمد ملحم (حلحول)، كريم خلف (رام الله)، وبسام الشكعة (نابلس). ثم أعيد تفعيل هذه السياسة في تسعينات القرن الماضي، حين أُبعد أكثر من 400    ناشط من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور في جنوب لبنان، في خطوة تهدف إلى تفكيك النسيج الوطني الفلسطيني وإضعاف رموزه النضالية.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية، استمر الاحتلال في استخدام الإبعاد كأداة للقمع والسيطرة. ففي العاشر من مايو عام 2002، أُبعد 39  فلسطينيًا احتموا داخل كنيسة المهد في بيت لحم، حيث نُقل 13 منهم إلى قبرص ودول أوروبية، و26 آخرين إلى قطاع غزة. كما توسعت هذه السياسة لتشمل المعتقلين الإداريين وأقارب المطلوبين، كما حدث في الرابع عشر من أكتوبر 2003 عندما أُبعد 18 معتقلاً إداريًا من محافظات الضفة الغربية إلى قطاع غزة، إضافة إلى حالات فردية مثل انتصار العجوري وشقيقها. كما استُخدم الإبعاد كشرط للإفراج عن الأسرى المضربين عن الطعام، كما في حالة الأسيرة هناء الشلبي. وفي صفقة تبادل الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2011، شهدت إسرائيل أكبر موجة إبعاد في تاريخها الحديث، حيث نُفي 43 أسيرًا إلى خارج فلسطين و163 آخرون إلى قطاع غزة(1).

وفي صفقة أكتوبر 2025، تجلّت سياسة الإبعاد القسري بأوضح صورها وأكثرها قسوة. فقد وثّقت منظمات حقوقية دولية أن إسرائيل أبعدت 154 أسيرًا فلسطينيًا أفرج عنهم إلى مصر ودول أخرى، و15 أسيرًا من القدس إلى خارج فلسطين، بينما مُنع بعض ذويهم من السفر للقاء أبنائهم. وقد رافقت عمليات الترحيل اعتداءات وتعذيب نفسي وجسدي وفق شهادات مباشرة من المفرج عنهم، بدءًا من لحظة إخراجهم من السجون وصولًا إلى نقاط الترحيل، في استمرار واضح لسياسة إسرائيل في فصل الفلسطيني عن وطنه وإرغامه على الغربة.

من الناحية القانونية، تمثل هذه الممارسات انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر النقل أو الإبعاد القسري لأي شخص محمي من الأراضي المحتلة، سواء بشكل فردي أو جماعي. كما تُصنَّف هذه الممارسات ضمن جرائم الحرب وفق المادة 8 (2)(أ)(vii) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لكونها تُنفذ في إطار سياسة ممنهجة موجهة ضد السكان المدنيين الفلسطينيين. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز 2024 أن أي شكل من أشكال النقل القسري في الأرض الفلسطينية المحتلة يُعد انتهاكًا للقانون الدولي ويقع ضمن الولاية القضائية للتحقيق الجنائي الدولي.

أما من الناحية الإنسانية، فإن الإبعاد لا يُحرر الأسير بل ينقله إلى سجن جديد بلا جدران. فالمبعد يعيش حالة اغتراب نفسي وجغرافي، يُنتزع من بيئته الطبيعية ليُلقى في منفى قسري يقطع صلته بأسرته ووطنه. أما العائلات، وخصوصًا الأمهات والأطفال، فيتجرّعون مرارة الفقد والحرمان من اللقاء والاحتضان، ما يخلّف آثارًا نفسية عميقة تمتد لسنوات طويلة. وهكذا يتحول الإبعاد إلى عقوبة جماعية محرّمة دوليًا، تتجاوز الفرد لتصيب المجتمع بأسره، وتستهدف كسر النسيج الاجتماعي الفلسطيني وتمزيق الروابط الإنسانية التي تحفظ معناه الوجودي.

إن استمرار سياسة الإبعاد لا يمكن قراءته كإجراء أمني أو عقابي فحسب، بل بوصفه امتدادًا مباشرًا للسياسة الاستعمارية الإسرائيلية الرامية إلى نفي الفلسطيني من المكان والتاريخ والذاكرة. فالإبعاد ليس حادثة منفصلة، بل حلقة متصلة في سلسلة طويلة من الممارسات الاستعمارية التي بدأت منذ الانتداب البريطاني، مرورًا بالنكبة والنكسة، وصولًا إلى سياسات الاحتلال المعاصرة. إنه الوجه الحديث لسياسة “نفي النفي” التي تقوم على طرد الإنسان من المكان، ومحو المكان من الذاكرة، ليبقى الوجود الفلسطيني في دائرة الغياب المفروض.

ففي الفكر الصهيوني، لم يكن النفي فعلاً عابرًا، بل جوهرًا أيديولوجيًا يقوم على نفي وجود الفلسطيني أولًا من التاريخ والرواية، ثم نفي الفلسطيني ذاته من الجغرافيا. فـ” نفي النفي” هنا يعني أن المشروع الصهيوني لم يكتفِ بإلغاء الآخر ماديًا، بل سعى إلى إلغاء ذاكرته ورمزيته أيضا، ليُعيد إنتاج الوجود الإسرائيلي بوصفه الوجود الوحيد الممكن على الأرض. وهو نفي مزدوج، نفي الإنسان الفلسطيني، ثم نفي حقه في أن يُذكَر أو يُروى، أي محو حضوره من الجسد ومن الذاكرة في آن واحد.

من هنا، فإن المجتمع الدولي، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية والأطراف السامية المتعاقدة على اتفاقيات جنيف، مدعوّون إلى التحرك الفوري لمساءلة سلطات الاحتلال عن هذه الانتهاكات الجسيمة، وضمان حق الأسرى المحررين في العودة إلى ديارهم بحرية وكرامة، وتمكين ذويهم من اللقاء بهم دون قيود أو شروط سياسية. كما أن من واجب المنظمات الدولية المعنية العمل على توفير الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للمبعدين وأسرهم، باعتبارهم ضحايا لسياسة استعمارية مستمرة تستهدف كيان الإنسان الفلسطيني وهويته الجماعية.

فالحرية لا تكتمل بالخروج من السجن، بل بالعودة إلى الوطن، والعيش على أرضه بكرامة. وكل نفيٍ جديد يعيد إنتاج النكبة، وكل إبعاد هو استمرار لجريمة بدأت منذ أكثر من قرن ولم تتوقف بعد.

(1).مركز المعلومات الوطني، وكالة وفا، سياسة الابعاد الاسرائيلية
https://info.wafa.ps/pages/details/30089

 

*اسلام التميمي:  باحث ومختص في قضايا حقوق الإنسان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى