
من يدخل شمال غزة اليوم يكتشف مدينة لم تعد تعرف نفسها، طرقها مطموسة، وأحياؤها متشابكة تحت ثقل الركام، البيوت التي كانت مأوى صارت أطلالًا، والمدارس صامتة، والمستشفيات عاجزة عن استقبال أي ألم جديد، كل زاوية في غزة تهمس بفقدٍ، وكل حجر يحمل صدى حياة اختفت قبل أن يتمكن أصحابها من توديعها.
الناس يمشون بين الأنقاض كأنهم يبحثون عن ذاكرة ضائعة، عن أي أثر يثبت أن المدينة لم تُمحَ بالكامل، عن أي شيء يربطهم بماضيهم وسط الخراب، وجوههم تحمل حكايات لم تُحكَ بعد، وعيونهم تحكي أن العودة ليست عودة إلى الحياة، بل محاولة صامدة للبقاء على قيد الأمل، رغم أن كل شيء حولهم صار مجهولا.
“تحت الصفر”..
تقول أحلام عبد الله بحسرة إنّ مقومات الحياة في شمال غزة “تحت الصفر”، فحتى الطرق التي كانت تربط الأحياء لم تعد موجودة، إذ تراكم الركام في كل زاوية، وحوّل الشوارع إلى مسارات مغلقة لا تسلكها حتى عربات الحيوانات.
وتذكر أنّ أحياء مثل الشيخ رضوان وتل الهوا غمرها الردم، وأنّ الأبراج المهدّمة ما زالت تسدّ الطرقات، مما يجعل الحركة شبه مستحيلة.
وتشير بألم إلى أنّ المياه أصبحت حلمًا بعيد المنال، فالمياه المالحة لا تصل إلى البيوت، ومحطات التحلية التي كانت تخفف الأزمة دُمّرت بالكامل خلال التوغلات الأخيرة.
وتضطر أحلام، كغيرها من الأهالي، إلى السير مسافات طويلة للوصول إلى نقاط بعيدة للحصول على القليل من الماء وسط طرقٍ مهدّمة لا تصلح للسير.
وتتابع حديثها بنبرة متعبة قائلة، إنّ المخابز بدورها لم تسلم من الدمار، فمعظمها أُزيل عن الوجود، والناس تقطع أميالًا مشيًا فقط لتحصل على رغيف خبز.
وتضيف أنّ غياب المواصلات يجعل العودة إلى الشمال شبه مستحيلة، لذلك بقي كثيرون في الجنوب حيث تتوافر بعض الخدمات الأساسية من ماء ومواصلات.
وتوضح بأسى أنّ الاتصالات والانترنت منقطعة تمامًا في مدينة غزة وشمالها، ما أثّر على حياة الناس وأعمالهم، خاصة أولئك الذين يعتمدون على العمل الإلكتروني كمصدر رزق.
“كل شيء صار تحديًا”، تقولها وهي تصف كيف يعود السكان تدريجيًا إلى بيوتهم المهدّمة في غزة، وسط الغلاء الفاحش الذي ضاعف من معاناتهم.
وتختم حديثها بحزن قائلة إنّ حتى الخدمات الطبية في غزة شبه معدومة، فالمستشفيات هناك مدمرة أو غير مؤهلة، بينما يبقى الجنوب المكان الوحيد الذي ما زال يوفر القليل من الأمان والعلاج.
“يفوق التصور”..
أما هند شبير تقول إنّها لم تستطع دفن شقيقتها التي استشهدت في القصف على الشمال، فحين حاولت العائلة الوصول إلى مكان بيتها لانتشال الجثمان، لم يتمكنوا من ذلك بسبب حجم الركام، مشيرةً إلى أنّ البيت انهار بالكامل، ولم يبقَ منه شيء يدل على وجوده، حتى موقعه صار غير واضح وسط الردم والدمار.
وتوضح هند أنّ ما شهدته في عودتها إلى شمال غزة يفوق التصوّر، فالشوارع مطموسة، والمعالم التي كانت تحفظها غابت تمامًا، لافتةً أن الناس يسيرون في أماكن لا يعرفون إن كانت شوارعهم القديمة أم لا، فكلّ شيء تغيّر.
وتضيف أنّ البيوت التي صمدت جزئيًا غير صالحة للسكن، والأسقف المتصدعة تهدد بالسقوط في أي لحظة، لذلك فضّل كثيرون البقاء في الجنوب بدل المجازفة بالعودة.
وتشير إلى أنّ أغلب العائلات التي عادت تحاول فقط معرفة مصير بيوتها أو دفاترها أو صورها، وليس للعيش هناك بعد الآن.
وتؤكد هند أنّ الوضع الإنساني في الشمال مأساوي، فلا مدارس تعمل، ولا مستشفيات مجهزة، ولا مراكز لتوزيع المساعدات، مبينةً أن الناس يعتمدون على بعضهم، والجيران يتقاسمون ما تبقى من طعام وأغطية وملابس.
وتعبر أنّ أكثر ما يؤلمها هو أنّ شقيقتها ما زالت تحت الأنقاض، وأنّهم لم يتمكنوا حتى من توديعها، تقول بصوتٍ خافت: “مش قادرين ندفنها.. ومش قادرين ننسى”.
“وجع يتقاسمه الجميع”..
يقول أحمد المصري، وهو من سكان شمال غزة، إنّ الوجع في المدينة اليوم واحد، يتقاسمه الجميع بلا استثناء، موضحًا أنّ ما يعيشه الناس لا يمكن وصفه بكلمات، فكل بيت يحمل قصة، وكل شارع يختزن فقدًا مختلفًا.
ويصف المشهد من حوله قائلًا إنّ الركام يغطي الأحياء، والدمار ممتدّ على مدى البصر، والناس تمشي بين الأنقاض تبحث عن أثرٍ لحياةٍ سابقة.
ويشير “المصري” إلى أنّ أكثر ما يشعر به الآن هو الغربة في المكان الذي وُلد فيه، فحتى حين عاد، لم يجد شيئًا يدلّ على ماضيه، لا باب البيت، ولا الشجرة التي كان يجلس تحتها، ولا رائحة الخبز في الصباح، “كل شيء اختفى”، يقولها بقهر شديد.
ويختم حديثه قائلًا إنّ الناس في الشمال اليوم يحاولون فقط أن يصمدوا، لا انتظارًا للمساعدات، بل لأنهم لا يملكون خيارًا آخر. “ما ضلّ بيت، ولا ضلّ أمل واضح، بس لسه في ناس واقفة.. وهاد لحاله نوع من الحياة.”
إيمان شبير – سند



