الكاميرا التي عبرت ثلاثة عقود.. من عز الدين إلى حسام وصولًا إلى أحمد

قبل أكثر من ثلاثين عامًا، مدّ عز الدين عطية المصري (62 عامًا) يده، وسلم الكاميرا لشقيقه الصغير حسام، كأنّه ينقل له جزءًا من روحه، وأمانة لا تُقاس بعدد الصور أو الفيديوهات، بل بقدرتها على حمل الحقيقة، كانت تلك اللحظة بداية رحلة امتدت يومًا بعد يوم، جعلت العدسة امتدادًا لحياة حسام، وسكناه الخاص، وعينًا على العالم من حوله.
واليوم، بعد استشهاد حسام في مجزرة الصحفيين بمجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، يعود عز الدين ليكرر تلك اللحظة، لكن هذه المرة لأحمد حسام المصري، ابن شقيقه، الذي يضع يده الصغيرة على الكاميرا، مستلمًا أمانة ثلاثين عامًا من الرصد والتوثيق، ليكمل المسيرة التي بدأت قبل عقود، مسيرة الحقيقة، والصحافة، والصمود.
الكاميرا هنا ليست مجرد آلة تصوير؛ إنها جسر بين من رحل ومن سيواصل المشوار، صوت صامت يحكي لكل من يقبض عليها تاريخًا من المشاهد، لحظات الصمت، ونبض الواقع، كل ضغطة زر، وكل إطار يلتقطه أحمد، هو شهادة على استمرار الرحلة، واستمرارية الرسالة، وإصرار على أن الحقيقة ستظل تُرى وتُروى، كما كانت دائمًا، بلا توقف، بلا خوف، وبصدق لا ينحني.
يُذكر أن الصحفي حسام المصري استشهد وعدد من زملائه الصحفيين باستهداف إسرائيلي لمجمع ناصر الطبي بتاريخ أغسطس/آب الماضي.

البداية والمسيرة المهنية لحسام..
يقول عز الدين عطية المصري، شقيق الشهيد الصحفي حسام عطية المصري، لـ “وكالة سند للأنباء“، إنه بدأ مسيرته في الصحافة منذ عام 1988 مع صحيفة النهار المقدسية، حيث عمل مديرًا لمكتبها في الجنوب، ثم انتقل إلى صحف أخرى مثل الوطن والرسالة.
ويستذكر تلك المرحلة التي سبقت تأسيس مؤسسة للإنتاج الفني والإعلامي عام 1993، حين كان حسام لا يزال صغيرًا، يملأ البيت بالكاميرات ويتنقل بينها وكأنها جزء من لعبه اليومية.
ويعبر عن البدايات التي عاشها حسام بين الكاميرات ومعامل التحميض الأبيض والأسود، حتى صار التصوير جزءًا من تكوينه، يروي كيف درّبه بنفسه بعد إنشاء مؤسسة للتصوير والمنتاج، وكيف شاركه في أول بث مباشر كبير عام 1996 من قاعدة رشاد الشوا خلال افتتاح المجلس التشريعي بحضور الرئيس الشهيد ياسر عرفات وضيفه الرئيس الكولومبي آنذاك.
ويستذكر أن حسام لم يكن مجرد مصور في الشركة العائلية، بل أصبح ركيزة أساسية في العمل، يشارك في التصوير والإدارة والإشراف، إلى جانب شقيقه الأصغر عبد الحليم الذي درس الإعلام، وإخوتهم وأخواتهم اللواتي أجدن فن التصوير وإدارة الاستوديو، مؤكدًا أن الكاميرا لم تكن مجرد أداة عمل في العائلة، بل جزءًا من حياتهم اليومية وذاكرتهم الجماعية.
عمل حسام خلال الحرب..
ويضيف عز الدين أنه رافق حسام في ظروف الحرب، عندما كان يعمل لصالح تلفزيون فلسطين في مستشفى ناصر برفقة الشهيد محمد أبو حطب، يصفه بأنه كان “دينمو” الصحفيين في المخيم؛ يوفّر الكهرباء والإنترنت والماء، ويتابع مع إدارة المستشفى، ويساعد زملاءه في أصعب الظروف، في الوقت الذي كان يرعى فيه أسرته وأبناءه الذين يدرسون في الداخل والخارج.
ويعبر عن لحظة عصيبة حين بدأ الجيش الإسرائيلي الدخول البري إلى خان يونس، يقول إنه كان في مهمة برفح، وحين عاد اتصل بحسام فوجده ما يزال في المستشفى، ويروي انفعاله حينها وإلحاحه عليه أن يترك المكان قبل أن يطبق الحصار، وكيف انتظر ساعات طويلة في منطقة المواصي حتى خرج حسام أخيرًا بمعجزة، مستخدمًا معرفته بتفاصيل المنطقة للنجاة.

صفات الشهيد حسام..
ماذا عن صفات الشهيد حسام؟ يُجيب عز الدين: “حسام كان رجلًا رقيقًا، حساسًا، مرحًا، مقبلًا على الحياة، يبتسم وهو يتذكر ضحكته الشهيرة التي لم تفارقه، ويقول إنه رغم بلوغه 49 عامًا، ظل يراه في عينيه “ذلك الفتى الصغير” الذي بدأ معه التصوير قبل 32 عامًا”.
في نظر العائلة لم يكبر أبدًا، حتى إنهم كانوا يلقبونه منذ صغره بـ”سيدي” لأنه كان يجالس الكبار ويحاور الشيوخ بوقار الحكيم رغم طفولته.
واستحضر دوره القيادي في الميدان منذ شبابه، حين كان يشرف على إدارة عدة مصورين في فعاليات كبيرة، يمسك بالكاميرا المتحركة ويقود الفريق بمهارة.
ويضيف: “حبه العميق للتصوير دفعه لتسليم المسؤولية له منذ صغره، وجعله ذراعه الأيمن في العمل، وسنده الدائم في المؤسسة”.
ويُكمل عز الدين، جمع شقيقي حسام بين خبرته العملية في تلفزيون فلسطين ومشاركته مع وكالة رويترز، وبين عمله مع الأسرة في إنتاج الأفلام الوثائقية، وكان يُلجأ إليه دائمًا لتصوير بعض الأفلام والقصص الإنسانية حتى قبل أسابيع قليلة من استشهاده.
ماذا عن حسام في بيته، يُعبر عز الدين: “في أسرته كان أبًا وزوجًا محبًا، لم ينادِ أبناءه بأسمائهم قط بل بألقاب الدلال، ورافق زوجته في رحلة علاجها خطوة بخطوة، من السفر إلى الضفة ومصر، إلى متابعة مواعيد أدويتها، ووازن ببراعة بين عمله المرهق وواجباته العائلية.
ويزيد: “يفيض بالمرح، حتى بين أصدقائه في الحي أو زملائه الصحفيين، فلا ينادي أحدًا باسمه المباشر، بل يمنحه لقبًا من باب الدلال والمحبة، ما جعله قريبًا من الجميع”، مؤكدًا كان “دينمو” الصحفيين، وحلال المشاكل، لم يُعرف عنه خصام ولا عداوة، وإن غضب يومًا، فإنه في اليوم التالي يعود ليصافح ويضحك، وكأن شيئًا لم يكن.
القلق على حسام أثناء عمله في مستشفى ناصر..
ويعبر عن قلقه الذي لم يفارقه طوال فترة عمل حسام في مستشفى ناصر بخان يونس، إذ كان يخشى على شقيقه من اعتلاء سطح المبنى لتصوير البث المباشر، خصوصًا أن المستشفى كان هدفًا متكررًا للاستهدافات الإسرائيلية.
ويروي كيف توسّل إليه مرارًا أن يخفف من صعوده، وأن يترك الكاميرا منصوبة دون أن يلازمها، لكنه كان يجيبه بثقة: “الكاميرا هذه معروفة لرويترز، وموقعها مُبلّغ للجهات الإسرائيلية منذ بداية الحرب”.
استشهاد حسام..
ويصف يوم استشهاده، حين كان يتهيأ عز الدين للخروج من بيته القريب من المستشفى، وصله اتصال عاجل يخبره أن حسام قد استُهدف، استعاد لحظة الصدمة، حين سمع صوت الانفجار وسارع بالركض نحو المستشفى، ليفاجأ بالاستهداف الثاني بعد دقائق قليلة.
دخل عز الدين إلى قسم الطوارئ، بحث محمومًا بين الأسرة والمصابين والشهداء، ثم دخوله العناية المكثفة والمشرحة والمغسلة، دون أن يجد حسام.
عاد مرة أخرى يصعد إلى السطح، يبحث بين الركام والدخان، قبل أن يخبره أحدهم أن حسام قد أُنزل بالفعل من الطابق الرابع.
حين رآه أخيرًا، جثمانًا مسجّى، حملوه إلى البيت ليلقي عليه أبناؤه وزوجته النظرة الأخيرة، ثم أعادوه إلى المستشفى لوداعه مع الصحفيين والزملاء، قبل أن يُدفن في مقبرة العائلة بخان يونس.
وصف لحظة الاستشهاد بأنها كانت كالصاعقة على أسرته، فحسام كان شديد الارتباط بزوجته وأطفاله، حاضرًا دائمًا بينهم رغم انشغالاته الكثيرة.
نجاة ابنه أحمد..
يعبر عز الدين عن خوفه في البداية من أن يكون ابن حسام الصغير أحمد قد أصيب مع والده، لكن أحمد كان قبل نصف ساعة فقط من القصف على السطح نفسه، يساعد والده في نصب الكاميرا، ثم نزل وتركه يكمل التصوير بمفرده.
ويضيف عز الدين: “حمدت الله أن العناية الإلهية لطفَت به، ولم يكن بجوار والده لحظة الاستهداف”.
ويستذكر عز الدين أنه في وقفة الصحفيين، حين وقف أحمد بجانبه، شعر أن مسيرة حسام لا يجوز أن تتوقف، ويصف إحساسه العميق بأن الكاميرا التي حملها حسام طوال حياته يجب أن تظل حية بين يدي ابنه، الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة.
ويؤكد أن هذه المسؤولية كبيرة على طفل في مقتبل العمر، لكنها قدر شعبهم الذي يتوارث الراية جيلًا بعد جيل.
ويضيف أن أحمد يحمل حبًا صادقًا للتصوير، ورغبة أن يكون كأبيه، جنديًا للحقيقة، يرفع مظلومية شعبه، ويوثق صوته للعالم.
ويختم عز الدين بالقول: “الصحافة في غزة اليوم أصبحت “حقيقة برسم الموت”، فكل من يرتدي السترة الزرقاء التي كتب عليها “Press” صار هدفًا مباشرًا”.
ويعاتب المؤسسات الدولية التي لم توقف هذا التغول، ويرى أن الاحتلال أعلن حربه منذ البداية على “السردية الفلسطينية” التي هزمت روايته الكاذبة، فسعى إلى قتل من يحملون هذه السردية ويكشفون للعالم حقيقتها.
إيمان شبير – وكالة سند للأنباء



