شرفة

رحيل د. عبد اللطيف أبو حجلة….العالِم الذي ترك علماً ينفع وذكراً يرفع

 لم تكن جامعة بيرزيت بالنسبة إلى رئيسها السابق الراحل د.عبد اللطيف أبو حجلة مجرد مؤسسة أكاديمية أمضى فيها 42 عاماً من حياته، بل كانت مشروعاً علمياً وإنسانياً كرّس له عمره، وجزءاً من رسالته التي حملها داخل الجامعة وخارجها. وبين مختبرات الكيمياء وقاعات التدريس ومواقع الإدارة، تشكلت سيرة أكاديمي جمع بين البحث العلمي والقيادة الجامعية، ورأى في الطلبة أبناءً يستحقون الدعم والرعاية، وفي التعليم مسؤولية لا تتوقف عند حدود المعرفة.

وتكشف شهادات زوجته وأفراد أسرته وزملائه وطلبته، في أحاديث منفصلة مع “ے”، جوانب متعددة من شخصيته؛ فقد آمن بقدرات المرأة وحقها في العمل والتعليم، ودعم زوجته في مسيرتها القضائية، وحرص على استكمال بناته الخمس تعليمهن العالي، فيما ظل قريباً من الطلبة والعاملين، يستمع إلى مشكلاتهم ويسعى إلى مساعدتهم، حتى أتاح للطلبة التواصل معه مباشرة عبر بريده الإلكتروني.

ويستعيد من عرفوه صورته أستاذاً متمكناً وباحثاً مثابراً، ومسؤولاً جمع بين الحزم الإداري والتواضع والاحتواء الإنساني، وسعى إلى حماية حقوق العاملين وضمان استمرار العملية التعليمية.

كان زوجاً متفانياً وأباً حنوناً

على مدار 44 عاماً من الحياة الزوجية، عاشت رئيسة محكمة العدل العليا، الدكتورة إيمان ناصر الدين، مع الراحل د. عبد اللطيف أبو حجلة الرئيس السابق لجامعة بيرزيت، علاقة قامت على المحبة والاحترام والثقة المتبادلة، حيث تؤكد أنه كان زوجاً متفانياً وأباً حنوناً، آمن بعمل المرأة وحقها في تحقيق ذاتها ومكانتها الأكاديمية والمهنية، وجعل تعليم بناته الخمس أولوية لا تقف أمامها الظروف أو المسافات.

وتستعيد ناصر الدين إصرار زوجها بدعم مسيرتها القضائية منذ بدايتها، موضحة أنها كانت أول سيدة تعمل في القضاء عام 1982، وأنه وقف إلى جانبها بصورة استثنائية، وشجعها على المشاركة في المؤتمرات والسفر، وتولى أحياناً مسؤولية إدارة المنزل ورعاية البنات خلال انشغالها بعملها أو وجودها خارج البلاد، حيث كان متفهماً لطبيعة عملها، ولم ينظر إلى نجاحها المهني باعتباره تعارضاً مع مسؤوليات الأسرة.

وبحسب ناصر الدين، فإن أبو حجلة كان شديد التعلق ببناته الخمس، وإن حنانه وثقته بهن انعكسا على تفاصيل الحياة اليومية، واهتمامه بهن وكان يصر على تلبية طلباتهن، ورباهن على الأخلاق والقيم والتفاني والإخلاص، ومنحهن الثقة في قدراتهن، ضمن الثوابت الأسرية والأخلاقية والدينية.

وكان التعليم، بحسب زوجته، في مقدمة أولويات الراحل أبو حجلة؛ فقد دعم بناته حتى حصلن على درجات الماجستير، وظل يعرض مساعدتهن لاستكمال الدكتوراه، حتى بعد الزواج أو الإقامة خارج البلاد.

وتؤكد ناصر الدين أن كلمتي “لا” و”مستحيل” لم تكونا حاضرتين في قاموسه حين يتعلق الأمر بالعلم وتحقيق الأهداف، مشيرة إلى أنه كان يحث كل من حوله على امتلاك الإرادة والسعي إلى ما يريدون، ويمنحهم الثقة والدعم اللازمين.

ولم يقتصر هذا النهج على أسرته، بل امتد إلى عمله الأكاديمي في جامعة بيرزيت، حيث توضح ناصر الدين أن زوجها أفنى عمره في الجامعة، متدرجاً من محاضر إلى رئيس دائرة، ثم عميد، فنائب للرئيس، وصولاً إلى رئاسة الجامعة.

جامعة بيرزيت.. الحياة والمستقبل

وتؤكد ناصر الدين أن جامعة بيرزيت كانت تعني لزوجها الراحل أبو حجلة الحياة والمستقبل، وكان ينظر إلى الطلبة باعتبارهم أبناءه، ويسعى إلى مساعدتهم والوقوف إلى جانبهم في مشكلاتهم.

وتوضح أن البريد الإلكتروني لزوجها الراحل أبو حجلة كان متاحاً لطلبة الجامعة، حتى يتمكنوا من التواصل معه مباشرة وطرح مشكلاتهم، وكان يحرص على الرد عليهم، كما كان يتدخل لمساعدة الطلبة الذين تحول ظروفهم المادية دون الحصول على شهاداتهم، ويستمع إلى شكاواهم ويتابع احتياجاتهم، انطلاقاً من إيمانه بأن مسؤولية رئيس الجامعة تقتضي معرفة مشكلات الطلبة والعمل على حلها.

أما في البحث العلمي، فتشير زوجته، إلى تفانيه في إعداد الأوراق العلمية والمشاركة في المؤتمرات، معتبرة أن مختبراته وأبحاثه المنشورة دولياً تشهد على مسيرته العلمية. وتصف ناصر الدين بأن زوجها كان هادئاً ووقوراً، وصاحب إرادة قوية وإيمان راسخ بقدرة الإنسان على الإنجاز.

آمن بقدرات بناته الخمس

تستعيد الأكاديمية والمحاضرة في كلية الإعلام بجامعة بيرزيت د.ضحى أبو حجلة، سيرة والدها الراحل د. عبد اللطيف أبو حجلة، كشاهدة على إيمانه بالتعليم داخل الأسرة والجامعة على حد سواء، مؤكدة أن والدها كان أباً مثالياً، حنوناً وداعماً، آمن بقدرات بناته الخمس، ورباهن على المساواة والشراكة، حتى تخرجن جميعاً في جامعة بيرزيت وحصلن على درجات علمية عليا.

وتوضح أن والدها كان يؤمن بأن المرأة والرجل شريكان في المسؤوليات، داخل المنزل وخارجه، وأن هذا الإيمان شكّل مصدر قوة لبناته، ومنحهن الثقة في مواجهة التحديات المجتمعية والمهنية، مشيرة إلى أن والدتها د. إيمان ناصر الدين، رئيسة محكمة العدل العليا، كانت تنشغل بعملها القضائي، ما جعل وقت الأسرة مع الأب كبيراً.

وتصف د. ضحى والدها بأنه إنسان شديد الحنان، لكنه مهني في الوقت ذاته، إذ كانت علاقتها بوالدها داخل جامعة بيرزيت قائمة على الفصل الواضح بين القرابة والعمل، فعندما تقدمت لشاغر وظيفي بمركز تطوير الإعلام في الجامعة، لم يكن والدها يعلم بالأمر، إذ تعمدت إخفاءه عنه، حرصاً على أن يجري تقييمها وفق مؤهلاتها الأكاديمية وحدها، بعيداً عن كونه رئيس الجامعة.

وحتى خلال الاجتماعات، كان التعامل بينهما مهنياً ورسميّاً، بما يعكس، بحسب قولها، حرصه على ترسيخ استقلاليتها وإظهار أن الجامعة مؤسسة عمل لا تحكمها الاعتبارات العائلية.

وتشدد د. ضحى على أن أكبر فخر لها يتمثل في انتمائها إلى المؤسسة التي أفنى والدها 42 عاماً من حياته في خدمتها، وأن هذا الإرث يدفعها إلى مواصلة التدريس بعد انتهاء العزاء مباشرة.

حافظوا على جامعة بيرزيت

وتستذكر د. ضحى أبو حجلة وصية والدها لها خلال مرضه، حين كان يوصيها بألا تتغيب عن محاضراتها، حتى عندما كانت تقول له إن الطلبة لا يهتمون بالعلم بما يكفي، لكنه كان يجيبها: “إذا هم ليسوا مهتمين، علينا نحن أن نعلمهم كيف يهتموا بالعلم”، مؤكدة أن إيمانه برسالة التعليم استمر حتى آخر أيامه.

وبالنسبة إلى الحفاظ على إرثه، ترى أبو حجلة أن الأولوية تتمثل في استعادة جامعة بيرزيت مكانتها العلمية والأكاديمية والاجتماعية، وصورتها الدولية وتصنيفاتها العالمية.

وتقول أبو حجلة: “إن وصية والدي الأخيرة كانت واضحة: حافظوا على جامعة بيرزيت”، معتبرة أن حماية المؤسسة التي خدمها طوال عقود هي أفضل ما يمكن تقديمه للحفاظ على إرثه، من دون الحاجة إلى مظاهر تكريمية.

سيرة أكاديمية واجتماعية

وتعود أبو حجلة إلى بدايات ارتباط والدها بالجامعة، موضحة أنه درس في جامعة القاهرة، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة الأميركية حيث حصل على الدكتوراه في الكيمياء غير العضوية وعمل هناك، وعندما عاد إلى فلسطين في ثمانينيات القرن الماضي، زار جامعة بيرزيت، فشجعه صديقه د. حنا ناصر، الذي كان عميد كلية العلوم آنذاك، على البقاء، قائلاً له إن الجامعة بحاجة إليه، ومنذ ذلك الوقت، بدأ مسيرته فيها أستاذاً، ثم رئيساً لدائرة، فعميداً، فرئيساً للشؤون الأكاديمية لمدة 13 عاماً، قبل أن يتولى رئاسة الجامعة ست سنوات.

وتشير أبو حجلة إلى أن والدها وُلد في طولكرم، حيث كان جدها يعمل معلماً، فيما تعود أصول العائلة إلى بلدة دير استيا في محافظة سلفيت. وعاشت الأسرة في القدس، قبل انتقالها إلى رام الله لفترة، ثم عودتها إلى القدس، في ظل تعقيدات الهويات والإقامة.

وكان د. عبد اللطيف أبو حجلة متزوجاً من القاضية إيمان ناصر الدين، رئيسة محكمة العدل العليا، وهي من القدس، وأنجبا خمس بنات هنّ: ضحى، وسجى وندى التوأم، وهلا، وزينة.

وتؤكد أبو حجلة أن استكمال رسالة والدها لا يكون فقط باستذكار مسيرته، بل بصون رسالة الجامعة التي آمن بها، ومواصلة التعليم الذي ظل يراه مسؤولية لا يجوز التخلي عنها.

شخصية أكاديمية وإنسانية متميزة

يؤكد الرئيس الفخري لمجلس أمناء جامعة بيرزيت د. حنّا ناصر أن أبو حجلة كان شخصية أكاديمية وإنسانية متميزة، جمع بين الأخلاق الرفيعة والقدرة الإدارية والاهتمام بالطلبة والأساتذة، مشيراً إلى الأثر الكبير الذي تركه في الجامعة خلال مسيرته الأكاديمية والإدارية.

ويوضح أن أبو حجلة تولى رئاسة جامعة بيرزيت لمدة ست سنوات، بعدما عمل أستاذاً في دائرة الكيمياء، وشغل قبل رئاسته الجامعة منصب نائب الرئيس للشؤون الأكاديمية.

ويؤكد ناصر أن أبو حجلة لم يكن إدارياً متميزاً فحسب، بل اتسم أيضاً بدماثة الأخلاق والحرص على متابعة شؤون الطلبة وأعضاء الهيئة التدريسية، ما أكسبه محبة الجميع وتقديرهم، مشيراً إلى أن الراحل كان قريباً من الأساتذة، ويهتم بمشكلاتهم ويسعى إلى مساعدتهم في حلها، لافتاً إلى أن أي أستاذ كان يواجه مشكلة يستطيع اللجوء إليه لإيجاد حل لها.

ويعتبر ناصر أن هذا الاهتمام يعكس شغفاً بالتعليم وإحساساً بالمسؤولية الإنسانية تجاه الطلبة والأساتذة، وهي صفات من أبرز ما ميّز شخصيته.

ويشير ناصر إلى أن أبو حجلة كان باحثاً جيداً جداً، وكان يسافر إلى أماكن مختلفة في إطار عمله البحثي، إلى جانب تميزه في التدريس والإدارة، مؤكداً أنه جمع بين المجالين خلال مسيرته في الجامعة.

وحول سبل الحفاظ على إرثه، يشدد ناصر على أهمية صون السمعة الطيبة التي تركها في جامعة بيرزيت، موضحاً أن الراحل خلّف أثراً كبيراً لدى زملائه في دائرة الكيمياء، والأساتذة الذين عملوا معه، وموظفي الهيئة الإدارية.

شخصية رسخت تقاليد العمل الأكاديمي والإداري

يؤكد وزير النقل والمواصلات وعميد شؤون الطلبة السابق في جامعة بيرزيت د.محمد الأحمد أن د.عبد اللطيف أبو حجلة لم يكن فقط رئيس جامعة أمضى سنوات طويلة في مواقع إدارية وأكاديمية متعاقبة، بل كان عالماً متمسكاً ببحثه، وقائداً جامعياً قريباً من الطلبة والعاملين، وشخصية أسهمت في ترسيخ تقاليد العمل الأكاديمي والإداري، حتى أصبحت تجربته جزءاً مما يُعرف داخل الجامعة بـ”روح بيرزيت”.

ويشدد على أن أبو حجلة أنهى مسيرته المهنية بحصوله على رتبة أستاذ شرف، وهي أعلى رتبة يمكن أن يحصل عليها الأستاذ داخل الجامعة، بعدما تنقل خلال سنوات عمله بين رئاسة دائرة ومواقع إدارية مختلفة، وصولاً إلى منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية ثم رئاستها.

ويشير الأحمد إلى أن الراحل أبو حجلة كان يحظى بمكانة خاصة لدى زملائه، الذين وجدوا فيه أباً وأخاً كبيراً وصديقاً، ولم يكن يبخل بنقل خبرته أو مساعدة الكوادر الإدارية الجديدة على تطوير مهاراتها وقدراتها.

وعلى الرغم من انشغاله الطويل بالعمل الإداري، يؤكد الأحمد أن أبو حجلة لم يبتعد عن تخصصه العلمي أو يغادر مختبره، بل ظل باحثاً يتابع عمله الأكاديمي، جامعاً بين خدمة المؤسسة الوطنية والبحث العلمي، كما كان من المبادرين إلى إيجاد حلول مبتكرة للتغلب على المعيقات التي فرضها الاحتلال على الجامعة، ومن أبرزها العمل على تطوير بوابة “ريتاج” الإدارية والأكاديمية، بما يساعد على تجاوز الإغلاقات والعراقيل التي تعترض انتظام العملية التعليمية.

ويستعيد الأحمد تجربته في العمل مع أبو حجلة حين كان هو عميداً لشؤون الطلبة، وكان أبو حجلة رئيساً للجامعة والمسؤول المباشر عنه، مشيراً إلى أن علاقتهما المهنية أتاحت له التعرف عن قرب إلى شخصية تجمع بين الحزم الإداري والتواضع والقدرة على التعامل مع مختلف الأطراف.

ويؤكد الأحمد أن الراحل كان يتعامل مع الحركة الطلابية باعتبار أفرادها أبناءه، ويخصص وقتاً خلال لقاءاته معهم لتوجيههم وتأهيلهم وتعريفهم بالمسؤولية الوطنية الملقاة على عاتقهم، حتى عندما تصدر عن بعضهم سلوكيات لا تتفق مع المطلوب.

ويؤكد الأحمد أن الطلبة منحوا أبو حجلة ثقتهم ومحبتهم، ولم ينظروا إليه بوصفه خصماً للحركة الطلابية، لأنه لم يتعامل معهم على هذا الأساس.

الحفاظ على مساحة للعمل الوطني الطلابي

وخلال فترة رئاسة أبو حجلة، نجحت الجامعة، وفق الأحمد، في الحفاظ على مساحة للعمل الوطني الطلابي، رغم الانقسام السياسي الحاد الذي شهدته الأراضي الفلسطينية، إذ استمرت الانتخابات والنشاطات المشتركة التي شاركت فيها الأذرع الطلابية المختلفة، في تجربة عكست حكمة الراحل وقدرته على إدارة الاختلاف داخل الجامعة.

وبحسب الأحمد، فقد امتدت إسهامات أبو حجلة إلى تطوير الجامعة أكاديمياً، مع إنشاء كليات جديدة واستحداث برامج وتخصصات متعددة، بينها برامج للدكتوراه، إلى جانب تحقيق إنجازات في المؤشرات الأكاديمية العالمية، والوصول إلى مواقع متقدمة لم تكن الجامعات الفلسطينية قد بلغتها من قبل.

ويشير إلى أن أبو حجلة لم يحصر جهوده في جامعة بيرزيت، بل عمل على تعزيز التعاون مع الجامعات الفلسطينية والعربية، ونقل الخبرات والمعرفة إليها، من خلال مشاركته في مجلس التعليم العالي ومجلس رؤساء الجامعات، ومنظومة اتحاد الجامعات العربية، كما أسهمت شراكاته، ولا سيما مع دول أوروبية وإسكندنافية، في توفير فرص لطلاب وأكاديميين لاستكمال دراساتهم العليا في الخارج، بما في ذلك طلبة لم تكن ظروفهم المالية تسمح بمتابعة تعليمهم، وأساتذة احتاجوا إلى استكمال مسيرتهم الأكاديمية.

ويلفت الأحمد إلى أن الراحل أبو حجلة تعرض لمضايقات إسرائيلية خلال رئاسته الجامعة، لكنه صمد ولم يترك موقعه أو يتراجع عن مواصلة العمل على تطوير التعليم وتحسين جودته، رغم حمله هوية القدس وما رافق ذلك من صعوبات.

وعن إرثه، يرى الأحمد أن تجربة أبو حجلة امتداد لمدرسة قيادية أسهم في بنائها أكاديميون، من بينهم د. حنا ناصر ود. غابي برامكي، وأن ما رسخوه تحول إلى أنظمة وتعليمات وقوانين وتقاليد عمل، وانتقل أثره إلى أجيال من الطلبة الذين أصبحوا وزراء وقادة ومسؤولين في قطاعات مختلفة.

ويشدد الأحمد على أن “روح بيرزيت” ليست مجرد تسمية، بل حصيلة قيم وتجارب غرسها قادة الجامعة في طلابها وأساتذتها وكل من عمل فيها أو احتك بها، ومن هنا، فإن استذكار أبو حجلة لا يقتصر على تكريم شخصه، بل يشمل الحفاظ على النهج الأكاديمي والإنساني والمؤسسي الذي أسهم في ترسيخه، وعلى إرث من المعرفة والتعاون والعمل الوطني سيبقى حاضراً في مسيرة الجامعة.

الأب الذي يرعى أُسرة الجامعة

بالنسبة لنائب رئيس الجامعة للتنمية والاتصال وعميد كلية الحقوق سابقاً د.ياسر العموري، فإن د.عبد اللطيف أبو حجلة لم يكن مجرد أكاديمي تولّى مناصب إدارية متعاقبة في الجامعة، بل كان من الركائز الأساسية التي أسهمت في بناء الجامعة وتطويرها، وشخصية جمعت بين التميز الأكاديمي والقدرة الإدارية والاحتواء الإنساني، حتى غدا في نظر الطلبة والموظفين والأكاديميين بمثابة الأب الذي يرعى أسرة الجامعة ويحافظ على تماسكها.

ويوضح أن أبو حجلة أفنى جل عمره في جامعة بيرزيت، متنقلاً من أستاذ جامعي إلى رئيس دائرة، ثم عميد، فنائب لرئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية نحو 13 عاماً، وصولاً إلى رئاسة الجامعة لمدة ست سنوات. ويرى العموري أن هذه المسيرة تعكس حجم إسهاماته في تطوير المؤسسة، سواء بصفته أكاديمياً متميزاً وأستاذاً في مجال تخصصه، أو إدارياً شارك في بناء جامعة بيرزيت الحديثة بصورتها المعروفة اليوم.

ويؤكد العموري أن كثيراً من التخصصات التي تُدرّس في كليات الجامعة جاءت نتيجة جهود مشتركة وهندسة أكاديمية وإدارية شارك فيها عدد من الزملاء، وكان أبو حجلة في مقدمتهم. ولذلك، لا ينظر العموري إلى الراحل باعتباره مسؤولاً سابقاً فحسب، بل أحد الأركان التي أسهمت في تأسيس مكانة الجامعة وتطوير بنيتها الأكاديمية والإدارية.

ويستعيد العموري تجربته الشخصية في العمل مع الراحل أبو حجلة، موضحاً أنه تعرّف إليه عندما كان حديث الانضمام إلى الجامعة ويشغل رئاسة دائرة القانون، فيما كان أبو حجلة نائباً لرئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية.

ثم تجدد العمل المشترك بين العموري وأبو حجلة عندما تولّى العموري عمادة كلية الحقوق والإدارة العامة، وكان الراحل رئيساً للجامعة. ويؤكد العموري أن توجيهات أبو حجلة وأسلوبه الإداري تركا أثراً كبيراً فيه، رغم اختلاف تخصصيهما، مشيراً إلى أن تجربته معه لم تقتصر على الجانب المهني، بل امتدت إلى تقدير شخصيته وطريقته في التعامل مع مجتمع الجامعة.

ويصف العموري أبو حجلة بأنه الأب الحاني لأسرة بيرزيت، التي كان ينظر إلى طلبتها وموظفيها وأكاديمييها باعتبارهم أسرة واحدة.

ويوضح العموري أن أبو حجلة في الخلافات والأزمات، سواء مع الحركة الطلابية أو النقابة، كان يؤكد ضرورة الحفاظ على الجامعة باعتبارها “بيت الجميع”، وكان يتعامل مع الطلبة بوصفهم أبناءه، ومع العاملين والنقابيين باعتبارهم زملاء وإخوة، وهو ما عكس حرصه على حماية الجامعة وصون علاقاتها الداخلية.

وعن حفظ إرثه، يؤكد العموري أن شخصية بحجم أبو حجلة يصعب أن تغيب عن ذاكرة جامعة بيرزيت، معرباً عن ثقته بأن الجامعة ستعمل على تكريمه بما يليق بإسهاماته وعطائه، بما في ذلك إقامة حفل تأبين.

ترك أثراً عميقاً في طلبته

لم يكن د. عبد اللطيف أبو حجلة بالنسبة إلى رئيس دائرة الكيمياء ومدير برنامج الماجستير في الكيمياء التطبيقية بالجامعة د. صالح سليمان مجرد أستاذ درّسه في تسعينيات القرن الماضي، بل كان معلماً ومرشداً ترك أثراً عميقاً في طلبته، وجمع بين التميز العلمي والقيادة الأكاديمية والبعد الإنساني.

ويستعيد سليمان، الذي تتلمذ على يدي الراحل أبو حجلة بين عامي 1994 و1996، سيرة رجل يرى أن مكانته لا تختصرها المناصب التي شغلها، ولا الإنجازات العلمية التي حققها، وإنما الأثر الذي تركه في نفوس كل من عرفوه وتعاملوا معه.

ويقول: “إن حظي أتاح لي التعلم على يد الراحل أبو حجلة منذ التحاقي بجامعة بيرزيت عام 1992”.

ويصف سليمان الراحل أبو حجلة بأنه إنسان قبل أن يكون أستاذاً أو مسؤولاً جامعياً، مشيراً إلى تميزه البحثي في مجال الكيمياء غير العضوية، ونشر أبحاثه في مجلات علمية مرموقة، حتى أصبح مرجعاً لكثير من الباحثين في تخصصه.

ويستعيد سليمان أسلوب أستاذه في التدريس، قائلاً إنه كان من الأشخاص الذين لا يستطيع التغيب ثانية واحدة عن محاضراتهم، لما امتلكه من قدرة استثنائية على إيصال المعلومة وشرحها بطريقة جذابة.

ويؤكد سليمان أن أبو حجلة جمع بين المعرفة العميقة بالمادة العلمية والقدرة على التواصل مع الطلبة وإقناعهم، ولم يكن يبخل عليهم بعلمه أو خبرته، حتى إن سليمان كان يضرب به المثل أمام أساتذة آخرين درسوه، مؤكداً أنه أخبره شخصياً بمقدار تأثيره فيه.

ولم يتوقف دور الراحل أبو حجلة، وفق سليمان، عند قاعات التدريس؛ إذ ساعد طلاباً على استكمال دراساتهم العليا، مستفيداً من علاقاته الأكاديمية مع جامعات في أوروبا، ولا سيما جامعة بيرغن في النرويج.

ويوضح سليمان أن أبو حجلة كان يدرك الصعوبات الاقتصادية التي تواجه الخريجين، ويسعى إلى فتح أبواب الدراسة أمام من يمتلكون القدرة العلمية، حتى عندما كانت ظروفهم المادية تحول دون مواصلة تعليمهم مباشرة بعد التخرج.

ويشير سليمان إلى أن مسيرة أبو حجلة امتدت عبر عقود من العمل الأكاديمي والإداري، شملت رئاسة دائرة الكيمياء وعمادة كلية العلوم، ونائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، وصولاً إلى رئاسة الجامعة بين عامي 2015 و2021.

مساهمته في تأسيس دائرة الكيمياء

كما أسهم أبو حجلة، بحسب سليمان، في تأسيس دائرة الكيمياء وبناء كلية العلوم، وتعزيز حضور الجامعة في المحافل الأكاديمية والبحثية الدولية، كما أن الراحل حصل على البكالوريوس بامتياز مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة، ثم أكمل الدكتوراه بتقدير عالٍ.

ويستحضر سليمان أيضاً صورة المسؤول الذي لم يضع حواجز بينه وبين الطلاب؛ فحين كانت الحركات الطلابية تغلق الجامعة، كان أبو حجلة ينزل بنفسه للحديث معهم والتفاوض معهم، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمة من مكتبه، وظل قريباً من زملائه وطلبته، يقدم النصيحة ويساعد في معالجة المشكلات الإدارية والأكاديمية، حتى بعد مغادرته المناصب الرسمية، محافظاً على التواصل والسؤال عنهم في المناسبات المختلفة.

ويؤكد سليمان أن إرث أبو حجلة لا يقتصر على أبحاثه وإنجازاته، بل يمتد إلى ذاكرة جامعة بيرزيت وأجيال طلابها وزملائه، مشيراً إلى أنه خصص جزءاً من محاضرته بعد وفاة أبو حجلة للحديث عن دوره، معرباً عن أمله في توثيق الجامعة ومؤسساتها الإعلامية سيرته وإسهاماته.

ويشدد سليمان على أن رحيل أبو حجلة لا يمثل خسارة لقامة أكاديمية فحسب، بل لشخصية إنسانية استثنائية، تركت بصمتها في العلم والعمل والحياة الجامعية، وستظل حاضرة في ذاكرة من عرفوه.

حريص على حقوق العاملين

يؤكد الأستاذ المساعد في كلية الآداب بجامعة بيرزيت، د. سامي شعث أن علاقته بالراحل د. عبد اللطيف أبو حجلة، لم تكن مجرد علاقة عمل بين مسؤول أكاديمي وبينه حينما كان رئيساً لنقابة العاملين في الجامعة، بل تجربة إنسانية استثنائية اختبر فيها شعث حرص الراحل أبو حجلة على حقوق العاملين، ومساندته للطلبة الذين تعجزهم ظروفهم المالية عن تسديد أقساطهم الجامعية، إلى جانب مكانته العلمية وتواضعه وتسامحه مع من اختلفوا معه أو أساؤوا إليه.

ويستعيد شعث علاقته بأبو حجلة، الذي عمل معه حين كان الأخير نائباً لرئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، فيما كان شعث رئيساً للنقابة، قائلاً: “إن الراحل اتسم باللطف والاحترام والود، رغم ما قد يبدو من تعارض بين موقعيهما ومسؤولياتهما”.

ويوضح شعث أن أبو حجلة كان يؤكد باستمرار وقوفه إلى جانب حقوق العاملين، لكنه كان يشدد في الوقت نفسه على ضرورة عدم إغلاق الجامعة، في معادلة عكست حرصه على حماية حقوق الموظفين والحفاظ على المؤسسة التعليمية واستمرار عملها.

أمين مظالم الجامعة

ويؤكد شعث أن الجانب الإنساني في شخصية أبو حجلة تجلى بوضوح في مساعدته الطلبة غير القادرين على دفع الأقساط الجامعية غلى نفقته الخاصة.

ويؤكد شعث أنه لمس هذا النهج أيضاً عندما تولى أبو حجلة رئاسة الجامعة، وكان هو أمين المظالم فيها، فكلما عرض عليه شكوى تتعلق بظلم وقع على عامل أو موظف، كان الراحل يتجاوب معها ويعمل على حلها بأسلوب لطيف.

ويؤكد شعث أن أبو حجلة كان رجلاً معطاءً بصورة استثنائية، ولم يكن يحمل الضغينة تجاه من يسيء إليه، بل كان يحاول التقرب منه ومسامحته، سواء أكان طالباً أم أحد العاملين في الجامعة.

وعلى الصعيد الأكاديمي، يؤكد شعث أن الراحل أبو حجلة كان عالماً وباحثاً مجتهداً، بلغ مرتبة الأستاذية الكاملة في مجال الكيمياء العضوية منذ تسعينيات القرن الماضي، وظل شغوفاً بتخصصه حتى خلال توليه رئاسة الجامعة. ويشير شعث إلى أن أبو حجلة كان يتابع الأبحاث العلمية التي تُجرى في مختبرات كلية العلوم بصورة مستمرة، بما يعكس ارتباطه بالبحث العلمي وعدم ابتعاده عنه بسبب مسؤولياته الإدارية.

وللحفاظ على إرث أبو حجلة، يدعو شعث إلى ربط اسمه بالعلوم، ولا سيما الكيمياء التي تخصص فيها، والعمل على إبقاء أبحاثه وإسهاماته حاضرة والاستفادة منها أكاديمياً، وهو أمر يقع على عاتق الجهات الرسمية سواء الجامعة أو الوزارات المعنية عبر مبادرات لتخليد ذكراه، من بينها إنشاء مكتبة تُعنى بالعلوم الطبيعية وتحفظ إرثه العلمي، إلى جانب الاهتمام بالقيم الإنسانية التي جسدها في تعامله مع الطلبة والعاملين، مشددًا على أن تكريم الراحل ينبغي ألا يقتصر على استذكار مسيرته، بل أن يمتد إلى صون إنتاجه العلمي وإتاحته للأجيال المقبلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى