محليات

بيت أمر.. الاحتلال يستغل نزاعًا عائليًا لفرض قيود وواقع مرير على البلدة

في الوقت الذي تتواصل فيه تداعيات شجار عائلي مستمر منذ سنوات في بلدة بيت أمر شمالي مدينة الخليل، جنوبي الضفة الغربية، وسّعت قوات الاحتلال الإسرائيلي إجراءاتها الميدانية عبر إغلاق الطرق وفرض منع التجول وتقييد حركة السكان، مستغلة الأزمة التي تمر بها البلدة؛ لتهميش دور السلطة الفلسطينية والأجهزة الأمنية وفرض واقع جديد فيها.

وأدّت تدخلات إسرائيلية، إلى تفاقم المشكلة وصولاً إلى فرض إغلاق ومنع للتجول خلال عيد الأضحى.

وتشهد بلدة بيت أمر أحداثاً مؤسفة ناجمة عن شجار عائلي يتجدد بين الحين والآخر، وأدى إلى مقتل عدد من المواطنين، دون تمكن رجال الإصلاح من الوصول إلى حل، أو تمكن الأجهزة الأمنية من اعتقال القتلة بسبب قيود الاحتلال.

وتصاعدت وتيرة العنف بشكل خطير خلال الشهرين الماضيين، مع تجدد الاشتباكات العائلية التي خلّفت قتلى ودمارًا واسعًا في الممتلكات.

وتفيد مصادر محلية وشهود عيان بأن النزاع القائم بين عائلتي “اخليل” و”أبو عياش” يعود إلى نحو أربعة أعوام، وشهد خلال تلك الفترة محاولات صلح متكررة، لكنها كانت تفشل في نهاية الأمر.

وأسفرت الأحداث خلال شهر أبريل/ نيسان الماضي، عن مقتل شخصين من العائلتين؛ وهما الشاب أكثم خليل الذي قُتل أمام منزله وأطفاله، والمهندس أكرم أبو عياش الذي قُتل داخل منزله وأمام أفراد أسرته، ما فاقم حالة الغضب والاحتقان في البلدة.

وفي ظل عجز الأجهزة الأمنية الفلسطينية من الوصول للبلدة الخاضعة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية، يزعم الاحتلال الإسرائيلي التدخل لفرض الأمن وحل الشجار، في حين وجّه تهديدات لشخصيات عشائرية بالاعتقال إذا ما تدخلت لحلّه.

وخلال عيد الأضحى، أغلق الاحتلال 25 طريقاً فرعياً في البلدة وفرض منع التجول الذي استمر ليومين، ما حوّل البلدة إلى كانتونات صغيرة تضاف إلى الإغلاق المفروض على مداخلها.

حواجز وتضييقات..

ويوضح مدير بلدية بيت أمر، نور البدوي، أن البلدة تتعرض منذ أكثر من شهر لسلسلة من الإغلاقات والتضييقات التي طالت حركة المواطنين بين الأحياء، مشيرًا إلى أن البلدية كانت تتابع هذه الإجراءات عبر الارتباط الفلسطيني الذي كان يتواصل مع الجانب الإسرائيلي لإزالة المعيقات وفتح الطرق.

ويضيف البدوي، أن الاحتلال صعّد إجراءاته قبل أيام من عيد الأضحى، حيث أغلق جميع شوارع ومداخل البلدة والأحياء، ما جعل الحركة بين المناطق المختلفة شبه مستحيلة وأدى لانقطاع التواصل بين أجزاء البلدة.

ولاحقًا، أعلن الاحتلال منع التجول ومنع حركة المركبات، مع احتجاز المركبات وأصحابها وتشديد القيود على تنقل المواطنين، سواء بالمركبات أو سيراً على الأقدام.

ويوضح البدوي، أن البلدية أُبلغت في رابع أيام عيد الأضحى، برفع جزئي لمنع التجول، مع الإبقاء على الإغلاقات بين الأحياء ومنع الدخول إلى البلدة أو الخروج منها، فيما بقيت السواتر الترابية والحواجز مغلقة.

وطالت الإجراءات الإسرائيلية موظفي البلدية، حيث جرى احتجاز عدد منهم لساعات وإعاقة عملهم وتنقلهم، الأمر الذي انعكس سلباً على الخدمات الأساسية، بما في ذلك توزيع المياه وتعبئة الكهرباء، بحسب البدوي.

استغلال الأزمة..

ويرى مدير البلدية، أن الاحتلال يستغل الأوضاع القائمة كذريعة للتضييق على المواطنين، عبر إجراءات تهدف إلى إذلالهم والتضييق عليهم، لافتاً إلى أن الاحتلال كان يبلغ الأهالي بأنه هو من سيتولى حل المشكلة، وليس رجال الإصلاح والعشائر أو السلطة الفلسطينية.

وينوّه البدوي، أن الاحتلال ضيّق على دور الأجهزة الأمنية الفلسطينية، مؤكداً أنه كان بالإمكان حل المشكلة لو سُمح للأجهزة الأمنية بالعمل داخل البلدة، حيث كانت على أهبة الاستعداد للدخول بقوات كبيرة لمعالجة الوضع.

ويبيّن أن عدداً من عناصر الأمن الذين دخلوا بلباس مدني في محاولة للمساعدة في ضبط الحالة، جرى اعتقالهم من قبل قوات الاحتلال.

ويردف: “الأزمة ما تزال مستمرة وتتفاقم في ظل عدم التوصل إلى حلول نهائية”، مشيراً إلى أن محاولات عديدة كانت تقترب من إنهاء المشكلة، إلا أنها كانت تُفشل في مراحلها الأخيرة عبر أطراف تمثل الاحتلال، الذي لا يريد الهدوء والاستقرار في البلدة، وفق تعبيره.

عقاب جماعي منظم..

من جهته، يرى الناشط في المقاومة الشعبية ببلدة بيت أمر شمال الخليل، يوسف أبو ماريا، أن ما تتعرض له البلدة من إغلاقات وحصار واستهداف للبنية التحتية يمثل “عقاباً جماعياً منظماً” تمارسه سلطات الاحتلال بحق السكان، مؤكداً أن هذه الإجراءات لا علاقة لها بالأحداث والإشكاليات الداخلية التي شهدتها البلدة مؤخراً.

ويوضح “أبو ماريا”، أن الاحتلال يستغل هذه الأحداث كذريعة لفرض مزيد من القيود على المواطنين، معتبراً أن الهدف الحقيقي يتمثل في تأجيج الفتنة الداخلية وإضعاف النسيج الاجتماعي الفلسطيني، إلى جانب منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم وإعاقة الحركة اليومية للسكان.

وأدى إغلاق عشرات الطرق والمداخل في البلدة، إلى صعوبات كبيرة في وصول المرضى إلى المستشفيات، وعرقلة تنقل طلبة الجامعات، وإلحاق أضرار بالغة بالحركة الاقتصادية والتجارية في بيت أمر، وفق الناشط.

ويشير “أبو ماريا” إلى أن هذه السياسات تمس السلم الأهلي والأمن المجتمعي، لافتاً إلى أن عائلات لا علاقة لها بالخلافات القائمة تعرضت لإطلاق نار واعتداءات، الأمر الذي يفاقم حالة التوتر داخل البلدة.

ويؤكد: “الاحتلال يسعى إلى جرّ العائلات والمواطنين إلى مزيد من الصراعات الداخلية بما يخدم أهدافه”.

ويشدد أن منع التجول وإغلاق الأحياء والشوارع الحيوية لا تهدف إلى تحقيق الأمن، وإنما إلى فرض واقع جديد على الأرض وتحويل البلدة إلى مناطق معزولة تفصل بينها الحواجز والبوابات العسكرية، معتبراً أن ما يجري في بيت أمر قد يشكل نموذجاً يمكن أن يمتد إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية.

ويحذّر “أبو ماريا”، من تصاعد اعتداءات المستوطنين التي تشمل حرق المنازل والمركبات والأراضي الزراعية وقطع الأشجار وسرقة المواشي، مؤكداً أن هذه الانتهاكات تسببت بخسائر كبيرة للمواطنين وأثرت بشكل مباشر على حياتهم ومصادر رزقهم.

ويلفت، إلى أن ما يجري في البلدة القديمة بمدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي من إجراءات تهدف إلى تعزيز السيطرة الاستيطانية، يمثل جزءاً من سياسة أوسع تطال مختلف مناطق الضفة الغربية، داعياً إلى تحرك وطني وشعبي لمواجهة هذه المخططات.

تدخل إسرائيلي بالشأن الداخلي..

من جانبه، يعتبر الكاتب والمحلل السياسي، فرحان علقم، أن السلوك الإسرائيلي في التعامل مع الأزمة التي شهدتها بلدة بيت أمر يثير العديد من التساؤلات.

ويضيف: “ما جرى من أحداث مؤسفة بدأ على خلفية شجار عائلي، قبل أن يتطور الأمر إلى تدخل الاحتلال في الشأن الداخلي للبلدة بصورة غير مسبوقة في الضفة الغربية”.

ويشير علقم، وهو أحد سكان بلدة بيت أمر، إلى أن الإجراءات التي اتخذها الاحتلال لم تقتصر على أطراف الشجار، بل طالت جميع أهالي البلدة، ما يشير لوجود أهداف تتجاوز مجرد ضبط الحالة الأمنية الداخلية كما زعم الاحتلال.

ويعقّب: “إذا كان الهدف المعلن هو منع تفاقم الأوضاع وخروجها عن السيطرة، فإن تقطيع أوصال البلدة وإغلاق مداخل الأحياء والحارات لا يمكن تفسيره ضمن هذا الإطار الأمني فقط”.

ويكمل علقم: “هذه الإجراءات توحي بوجود أهداف أخرى لم يُعلن عنها”، دون أن يستبعد أن ما جرى قد يكون مرتبطاً بما أُثير قبل عدة أشهر من أحاديث حول فكرة “الإمارات المتعددة” في الضفة الغربية.

ويؤكد، أن تغييب دور السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، بغض النظر عن تقييم أدائها، يشكل سابقة لم تشهدها المنطقة من قبل، لافتاً إلى أن حوادث أكثر خطورة وقعت سابقاً ووصلت إلى حد إراقة الدماء، إلا أن مثل هذا التدخل لم يحدث بهذه الصورة.

وبيّن علقم أن التوتر كان واضحاً ومستمرّاً وبدرجة عالية من الشدة، خاصة خلال عيد الأضحى، ورافقته إجراءات من الاحتلال بفرض منع التجول والإغلاق، تزامناً مع تطور الشجار إلى مواجهة داخلية بين أبناء البلدة الواحدة ليلة العيد، واستمرت حتى صباح يوم العيد واليوم التالي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى