«مؤسسة غزة»: التوحّش باسم الإنسانية!

نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تحقيقا استقصائيا الأسبوع الماضي أكد فيه ضباط وجنود إسرائيليون تلقيهم أوامر بإطلاق النار على حشود من المدنيين غير المسلحين بالقرب من مواقع توزيع الغذاء حتى عندما لم يكن هناك أي تهديد. إثر ذلك أقر قادة عسكريون إسرائيليون بإطلاق النار على طالبي المساعدات عند نقاط التوزيع بما في ذلك بنيران المدفعية.
حسب أحد الجنود فإن مراكز توزيع المساعدات هي «ساحة قتل» رغم أنه «لا يوجد عدو ولا يوجد سلاح» مع المدنيين. يستخدم الجيش الإسرائيلي للتعامل مع الناس كل ما هو متاح: رشاشات ثقيلة، قاذفات قنابل، هاونات. «وسيلة التواصل الوحيدة هي الطلقات»، على حد قول جندي.
انكشف بعد ذلك أن متعاقدين أمنيين أمريكيين في ما يسمى «مؤسسة غزة الإنسانية» شاركوا في إطلاق النار على فلسطينيين جوعى لم يشكلوا أي تهديد باستخدام الرشاشات. حسب إحدى الشهادات فإن أحد الحراس أطلق النار من خلال بندقية آلية من برج مراقبة لأن مجموعة من النساء والأطفال وكبار السن كانت تتحرك ببطء شديد بعيدا عن الموقع».
حسب أحد المتعاقدين مع المؤسسة فإن الأوامر كانت «إطلاق النار ثم طرح الأسئلة لاحقا»، وأن «ثقافة الشركة» أنهم ما داموا ذاهبين إلى غزة فإن لا قواعد تلزمهم. «افعلوا ما يحلو لكم»، وأن قادة المجموعات كانوا يلمّحون إلى أن «هؤلاء الناس لا قيمة لهم» ويصفون سكان غزة بـ«جحافل الزومبي».
منذ بدء أعمالها في أربعة مواقع لتوزيع المساعدات في قطاع غزة قالت الأمم المتحدة إن أكثر من 615 مدنيا فلسطينيا قتلوا وأكثر من 4 آلاف جرحوا قرب مراكز توزيع المساعدات. أصدرت 170 منظمة خيرية في جنيف، في الفاتح من هذا الشهر بيانا يدعو للضغط على إسرائيل لوقف خطة «مؤسسة غزة الإنسانية» وإعادة نظام توزيع المساعدات التي تديره الأمم المتحدة، وهناك عشرات التصريحات المنددة بهذه المؤسسة من مسؤولين كبار في الأمم المتحدة مثل أنطونيو غوتيريش وفرنشيسكا ألبانيز وفيليب لازاريني، والمنظمات الحقوقية الكبرى في العالم، مثل «منظمة العفو» و«أوكسفام» و«المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان» و«أطباء بلا حدود»، وحتى من حلفاء غربيين لإسرائيل، مثل النمسا التي قالت وزيرة خارجيتها إن المؤسسة «ليست شريكا موثوقا به لتوزيع المساعدات».
توضّح تفاصيل التشكيل السريع لـ«مؤسسة غزة الإنسانية» والدعم السياسي والمالي الذي تتلقاه من أمريكا وإسرائيل أنها ذراع أمني ـ سياسي مشترك. حسب المعلومات المتوفرة فإن «مؤسسة غزة الإنسانية» هي منظمة أمريكية أسست في شباط/فبراير 2025 وأن مديرها الأول استقال بعد أشهر من تولّيه مسؤوليته بسبب «غياب الاستقلالية» و«استحالة الالتزام بالمبادئ الإنسانية الأساسية».
بدأت المؤسسة أعمالها بعد استقالة المدير المذكور بيوم إثر تعيين قس إنجيلي كان مستشارا سابقا في إدارة ترامب مكانه، وحسب تقرير نشر الشهر الماضي فإن وزارة الخارجية الأمريكية تدرس منح المؤسسة 500 مليون دولار من الوكالة الدولية للتنمية الدولية، وهي الوكالة نفسها التي قام ترامب بتفكيكها وتقليص ميزانيتها بشكل كبير قدّرت إحدى الدراسات أنه سيضع أكثر من 14 مليون شخص في العالم، ثلثهم من الأطفال، في مواجهة خطر الموت.
في اليوم الأول لبدء أعمالها أوضح زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد طبيعة المؤسسة ولكنه قدّمه على شكل سؤال: «هل يمكن أن تكون الأجهزة الأمنية الإسرائيلية قد كلفت من قبل رئيس الوزراء ووزير المالية بنقل أموال الدولة إلى الخارج لتعاد لاحقا إلى غزة في شكل مساعدات إنسانية»!
«مؤسسة غزة» هي نتاج تنسيق سياسي وأمني وماليّ أمريكي ـ إسرائيلي. باستهدافها الإباديّ للبشر، وبنزعة استبدال مؤسسات الأمم المتحدة بمنظمات تجويع وقتل وإهانة وإذلال تعلن واشنطن وتل أبيب شرعة جديدة للعالم يصحّ عليهم وصف «قطعان الزومبي» المختصين بمأسسة التوحّش بدل الإنسانية.



